ثمّ جلس طويلًا ، ودخل المدينة بعد ذلك ، ومضى إلى مكان القافلة ، فوجدها قد ارتحلت ولم يبق منها أحد ، فبقي متحيّراً في أمره ، مفكّراً في اللحاق مع عجزه عن المشي ، وأخذوا أسبابه ومحافته ، فأخذ يمشي على أثرها وحده ، فمشى حتّى أعياه التعب ، فلم يلحقها ولم يرها من البعد ، فبينما هو في هذا الضيق إذ أقبل إليه رجل لاحق به ، وهو راكب بغلًا ، فلمّا وصل إليه قال له : اركب خلفي ، فردفه خلفه ومضى كالبرق ، فما كان إلّاقليل حتّى لحق به القافلة وأنزله ، وقال له : اذهب إلى رفقتك ، ودخل هو في القافلة ، قال : فتحرّيته في مدّة الطريق أنّي أراه ثانياً ، فما رأيته أصلًا ولا قبل ذلك ، وهذه كرامة ظاهرة ، وعناية باهرة ، لا ينكرها إلّامن غطّي هواه على عقله ، وأعتقد أنّ اللَّه لا يعتني بمن هو من أهله .
ومنها : أنّه لمّا وصل إلى غزّة ، واجتمع بالشيخ محي الدين عبد القادر بن أبيالخير الغزّي ، وجرت بينه وبينه اجتماعات ومباحثات ، وأجازه إجازة عامّة ، وصار بينهما موادّة زائدة ، وأدخله إلى خزانة كتبه ، فقلّب الكتب ، وتفرّج في الخزانة ، فلمّا أراد الخروج ، قال له : اختر لنفسك كتاباً من هذه الكتب ، فوضع يده على كتاب من غير تأمّل ولا انتخاب ، فظهر كتاب لا يحضرني اسمه من كتب الشيعة ، من مصنّفات المرحوم الشيخ جمال الدين ابن المطهّر ، وهذه كرامة ظاهرة واضحة ومنقبة راجحة .
ومنها : أنّه لمّا وصل إلى قطية ، وكان معه شيء من الشريط بضاعة ، فجاء جماعة الحاكم يطلبون المكوس من القافلة ، وأخذوهم إلى عند الحاكم ، وكان هو من الجملة ، فمرّ ، فرأى الرجل الشامي الذي كان الحاج محمّد بن هلال المذكور يحذّره منه جالساً عند باب الوالي ، فلمّا رآه مقبلًا قال للحاضرين : هذا هو الذي قلت لكم عنه ، فقال له : ما الذي قلت لهم عنّي ؟ قال : قلت لهم : إنّك رايح إلى مصر
الفوائد الطريفة — صفحة 657
مساهمون: الميرزا عبد الله أفندي الأصبهاني
ص٦٥٧