تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الفوائد الطريفة — صفحة 650

مساهمون:

ص٦٥٠
ويبذل جهده مع كلّ وارد في تحصيل ما يبتغيه من المطالب ، إذا اجتمع بالأصحاب عدّ نفسه كواحد منهم ، ولم تمل نفسه إلى التميّز بشيء منهم ، حتّى أنّه كان يتعرّض إلى ما يقتضيه الحال من الأشغال من غير نظر إلى حال من الأحوال ، ولا ارتقاب لمن يباشر عنه ما يحتاج إليه من الأعمال . ولقد شاهدت منه سنة ورودي إلى خدمته أنّه كان ينقل الحطب على حمار في الليل لعياله ، ويصلّي الصبح في المسجد ، ويشتغل بالتدريس بقيّة نهاره ، فلمّا أشعرت منه بذلك ، كنت أذهب معه بغير اختياره ، وكنت أستفيد من فضائله ، وأرى من حسن شمائله ، ما يحملني على حبّ ملازمته ، وعدم مفارقته . وكان يصلّي العشاء جماعة ، ويذهب لحفظ الكرم ، ويصلّي الصبح في المسجد ، ويجلس للتدريس والبحث كالبحر الزاخر ، ويأتي بمباحث غفل عنها الأوائل والأواخر . ولعمري لقد اشتمل على فضيلة جميلة ، ومنقبة جليلة ، تفرّد بها عن أبناء جنسه ، وحباه اللَّه بها تزكية لنفسه ، وهي أنّه من المعلوم البيّن أنّ العلماء - رحمهم اللَّه - لم يقدروا على أن يروّجوا أُمور العلم ، وينظّموا أحواله ، ويفرّغوه في قالب التصنيف والترصيف ، حتّى يتّفق لهم من يقوم بجميع المهمّات ، ويكفيهم كلّ ما يحتاجونه من التعلّقات ، ويقطع عنهم جميع العلائق ، ويزيل عنهم جميع الموانع والعوائق : إمّا من ذي سلطان يسخّره اللَّه لهم ، أو ذي مروءة وأهل خير يلقي اللَّه في قلبه قضاء مهمّاتهم ؛ لئلّا يحصل الإخلال باللطف العظيم ، ويتعطّل السلوك إلى المنهج القويم ، ومع ذلك كانوا في راحة من الخوف بالأمان ، وفي دعة من حوادث الزمان ، ولكلّ منهم وكلاء قوّامون بمصالح معيشتهم ، ونظام دنياهم ، بحيث لا يعرفون إلّاالعلم وممارسته ، ولم يبرز عنهم من المصنّفات في الزمان الطويل إلّاالقليل ، ومن
الفوائد الطريفة — صفحة 650 | الميرزا عبد الله أفندي الأصبهاني / السيد مهدي الرجائي