إن قلت : إنّ تصديق أبي بكر إنّما وقع على فرح أبي بكر المعلّل بقرّة عين النبيّ صلى الله عليه وآله ، فلا يكون لغرض يرجع إليه .
قلت : لمّا كانت قرّة عين النبيّ صلى الله عليه وآله ممّا يقتدر معها أبو بكر على الانغماس في نفاقه المؤدّي إلى حصول غرضه ، كان فرحه بها من تلك الجهة لا غير .
ومن الكتاب المذكور أيضاً ، عن أبي الحسن علي بن مهدي الطبري ، قال :
روي أنّ النبيّ صلى الله عليه وآله لمّا دعا أبا طالب رضي الله عنه إلى الاسلام ، قال له : ما أشدّ تصديقنا لحديثك وأقبلنا لنصحك ، وهؤلاء بنو أبيك قد اجتمعوا وأنا كأحدهم وأسرعهم واللَّه إلى ما تحبّ ، فامض لما أمرت به فإنّي واللَّه تابعك يا حبيب اللَّه ، ولا أسلمك حتّى يتمّ أمرك ، وأمّا أنت يا علي فما بك رغبة عن الدخول فيما دعاك إليه ابن عمّك ، وانّك لأحقّ من وازره ، وأنا من ورائكما حافظ ومانع ، فسرّ بذلك رسولاللَّه صلى الله عليه وآله ، وقال :
ألم تعلموا أنّا وجدنا محمّداً * نبيّاً كموسى خطّ في أوّل الكتب
أليس أبونا هاشم شدّ أزره * وأوصى بنيه بالطعان وبالضرب
ومن الكتاب المشار إليه ، عن الطبري أيضاً : إنّ رؤساء قريش والمشركين لمّا رأوا ذبّ أبي طالب عن النبيّ صلى الله عليه وآله ، اجتمعوا إليه وقالوا : جئناك بفتى قريش جمالًا وجوداً وشهامة عمارة بن الوليد ندفعه إليك نصرة ومنزلة لك ، وتدفع إلينا ابن أخيك الذي فرّق جماعتنا وسفه أحلامنا فنقتله ، فقال أبو طالب : واللَّه ما أنصفتموني تعطوني إبنكم فأعدوه وأعطيكم ابني فتقتلوه ، بل فليأت كلّ امرء منكم بولده فأقتله ، وهمّوا بالاغتيال للنبيّ صلى الله عليه وآله ، فمنعهم من ذلك أبو طالب رضي الله عنه ، وقال فيه :
منعنا الرسول رسول المليك * ببيض تلألأ كلمع البروق
أذبّ وأحمي رسول المليك * حماية حام عليه شفيق