على الخلق ما أنطق إلّا صادقاً ، ولقد عهد إليّ بذلك كلّه ، وبمهلك من يهلك ، ومنجى من ينجي ، ومآل هذا الأمر ، وما أبقى شيئاً يمرّ على رأسي إلّا أفرغه في اذني وأفضى به إليّ ، أيّها الناس ما أحثّكم على طاعة إلّا وأسبقكم إليها ، ولا أنهاكم عن معصية إلّا وأنهاكم عن معصية إلّا وأتناهى قبلكم عنها ، هذا آخر الخطبة المذكورة « 1 » .
ومن ذلك عدّة عجائب :
منها : أنّ هذا مقام لم يبلغه ولا ادّعاه أحد من القرابة والصحابة قبله ولا بعده ، بل ما تحقّقنا مثله عن نبيّ سابق ، ولا وصيّ لاحق ، وأقصى ما عرفناه عن أحد من الأنبياء والأولياء في نحو ما علمه علي بن أبي طالب عليه السلام من الأشياء قول عيسى عليه السلام
( وَأُنَبِّئُكُمْ بِما تَأْكُلُونَ وَما تَدَّخِرُونَ فِي بُيُوتِكُمْ )
« 2 » وهذه منقبة لعلي بن أبي طالب عليه السلام باهرة ، ومعجزة للرسول قاهرة .
ومن عجائبه في هذا القول المذكور أنّه قال ذلك على رؤوس الأشهاد ، وبمحضر الأعداء والحسّاد ، فكأنّه تحدّى به من سمعه ومن سيبلغه من العباد وجعله حجّة للَّهتعالى ولرسوله إلى يوم المعاد « 3 » .
الثاني : النفسانيّة الواصلة إلى غيره ، فإنّه لم ينقل عن أحد ظهور العلم واستفادته منه ، كما ظهر عنه عليه السلام .
الثالث : البدنيّة اللازمة كالعبادة . وفي إرشاد المفيد رحمه الله بالإسناد إلى زياد بن رستم ، قال : كنت عند الصادق جعفر بن محمّد عليهما السلام ، فذكر أمير المؤمنين عليه السلام ، فأطراه ومدحه بما هو أهله ، ثمّ قال : واللَّه ما أكل علي بن أبي طالب حراماً قطّ
هامش
( 1 ) نهج البلاغة ص 250 رقم الخطبة : 175 .
( 2 ) آل عمران : 49 .
( 3 ) الطرائف في معرفة المذاهب ص 508 - 510 .