آخرين من كبارنا وخواصّنا وأعيان رؤسائنا بسويقة ، فقطعوا نخيلها وخرّبوا دورها .
قال جدّي حسن المؤلّف طاب ثراه : سويقة على ثلاثة أميال من ضرية سفلى حريرة على ميل من سارية منحنة عن طريق الذاهب إلى مكّة ، وهي لآل علي بن أبي طالب ، بها عيون جارية ، وسويقة غير السويق الذي بين المدينة المنوّرة وينبع ، وهو منازل بني إبراهيم الغمر بن عبد اللّه المحض المتقدّم ذكره . وأمّا السارية فهي بوادي الصفراء ، وبها عيون كثيرة جارية ينتقلون إليها ، وكانت بها الواقعة .
قال أبو عبد اللّه محمّد الشاعر : فلمّا أتوا بنا إلى المتوكّل على اللّه أمر علينا بالسجن في سرّ من رأى ، فسجنّا ، فذات ليلة قال لي السجّان : انّ بالباب نسوة يستأذنونك الدخول ، فتعجّبت الّا أنّي أذنت لهنّ ، فدخلن عليّ بشيء من الطعام وغيره ، وقد بذلن للسجّان مالا ليخفّف عنّي الثقل ، ورأيت فيهنّ امرأة أشدّهنّ احتراما وأكثرهنّ لطفا وأنفذهنّ كلاما ، فسألتها متعجّبا ، فقالت : أنسيتني ولو نسيتني فلست من قوم أسدي إليهم معروف فينسونه ، فأطرقت رأسي مليّا متفكّرا ، فقالت : أنا صاحبة الهودج ، فقلت : وما الهودج ، فقصّت عليّ القصّة ثمّ مضين ، فلم تزل تتفقّدني بالاحسان مدّة إقامتي بالسجن ، فأتت ذات يوم وأنا أترنّم بهذه الأبيات :
طرب الفؤاد وعاوت أحزانه * وتشعبّت شعبا به أشجانه
وبدا له من بعد ما اندمل الهوى * برق تألّق موهنا لمعانه
يبدو كحاشية الرداء ودونه * صعب الذرا متمنّع أركانه
فدنا لينظر كيف لاح فلم يطق * نظرا اليه فردّه سجّانه
فالنار ما اشتملت عليه ضلوعه * والماء ما سمحت به أجفانه
فالتمست منّي أن أكتبها لها ، فكتبتها ، فجلست هنيئة ثمّ مضت ، فلم تزل تتوسّل بأبيها ومخلصيها من جواري المتوكّل ليغنّوا بها في المجلس ، فغنّوا بها فطرب طربا