وقد بلغنا عنك أيّها الشريف أنّك قد أبدلت الأمن بالمخيفة ، وفعلت ما يحمّر الوجه ويسوّد الصحيفة ، فآويت المجرم ، واستحللت مال المحرم ، ومن يهن اللّه فماله من مكرم ، فإن لم تقف آثار جدّك ، أغمدنا فيك سيف جدّك ، إذا خلع الشتاء جلبابه ، ولبسن الربيع أثوابه ، فلنأتينّك بجنود لا قبل لكم بها ، ولنخرجنّكم منها أذلّة وأنتم صاغرون ، والسّلام على من اتّبع الهدى ، وخشي عواقب الردى .
فلمّا وصل اليه الكتاب فضّه وقرأه ، فكتب له الجواب وأرسله ، فهذا ما تضمّنه :
بسم اللّه الرحمن الرحيم ، أمّا بعد فقد اعترف المملوك بذنبه ، ورجع عن سوء فعله ، تائبا إلى ربّه ، وان أخذتم فيدكم أقوى ، وان عفوتم فهو أقرب للتقوى ، وكتب له فيه هذه الأبيات :
فكم كربة فرّجتها وكشفتها * وقد لم يكن منها سواك مفرّج
فمن ظلمة في الصدر ممّا تحبّه * أبيح لها نور بفضلك أبلج
فعد لي بعادات الجميل فانّني * ضعيف ومالي غير بأنك مولج
ولا تأخذ العبد الضعيف بذنبه * فليس له الّا إليك مفرّج
فانّي بهم يا صاح ما عشت فائق * بك اللّه الّا من بهمته أزعج
عليك اتّكالي في الحياة وبعدها * عليك رجائي حين للقبر ادرج
وحكي أنّه كان واقفا في بعض الحروب ، فاستدعته امّه امّ ولد حبشيّة من هودجها حين التقى الفريقان ، فقالت له : يا بنيّ اعلم أنّ هذا موقف لا يقف فيه كلّ أحد من الرجال لاختلاف طبايع الأنفس ، فان وقفت وظفرت بإرادة اللّه عزّ وجلّ أو قتلت ، قالوا : قد أدّى ابن رسول اللّه جهده وما قصّر ، وان جبنت أو انهزمت جبنا ، قالوا : ابن السوداء ، فاختر لنفسك ما شئت من الأمرين ، فقال لها : لقد أدّيت النصيحة ، وبالغت في دفع الفضيحة ، فجزاك اللّه خير الجزاء ، ومنحك الدرجة العليا .
وحمل على القوم حتّى خرج من آخرهم بردّ الميمنة على الميسرة ، ثمّ أعاد