تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الرسائل الإعتقادية ( ط الثانية ) — صفحة 519

مساهمون:

ص٥١٩
الجسمانية ، كما هو بيّن ومبيّن . فذمّ عليه وآله السلام في ضمن هذا الكلام سؤال غير اللّه تعالى كائنا من كان ، وبالغ فيه وضرب له المثل ، حيث شبّه الهيئة الحاصلة من الأوّل بالهيئة الحاصلة من الثاني زيادة في التوضيح والتقرير ، فإنّه أوقع في النفس ، وأقمع للخصم . لأنّه عليه السّلام يريك المتخيّل محقّقا ، والمعقول محسوسا . ولذا أكثر اللّه في كتبه الأمثال ، وفشت في كلام الأنبياء والحكماء . وذلك أنّ غير اللّه تعالى لمّا لم يكن ثمّ كان ، كان حادثا مسبوقا بالعدم ، محتاجا احتياج السائل إليه ، ورفع الحاجة إلى من هو مثله في الاحتياج فيه ذلّ وهوان للنفس أشدّ عليها من إدخال اليد في فمها إلى المرفق ، ولذا صار هذا أحبّ إليه منه . وفيه إشارة إلى أنّ المحتاج مع كمال احتياجه وفقره وفاقته وشدّته وضيقه في معيشته ينبغي له أن يكفّ نفسه عن سؤال غير اللّه ورفع الحاجة إلى المخلوقين ، ومن هنا قيل بالفارسية :
با كمال احتياج از * خلق استغنا خوش است با دهان خشك مردن * بر لب دريا خوش است
نقل أنّ أبا تمّام حبيب بن أوس الطائي قصد البصرة منتجعا ، فلمّا وردها سأل عن شاعرها ، فذكر له عبد الصمد بن المعدّل ، فقال : أنشدوني شيئا من شعره ، فأنشد قوله :
لست تنفكّ طالبا لوصال * من حبيب أو طالبا لنوال
أي : ما لخروجك يبقى بين ذلّ الهوى وذلّ السؤال ، فحوّل راحلته عنها ولم يدخلها . وما أحسن ما فعل خليل الرحمن - على نبيّنا وآله وعليه السلام - حين أراد نمرود إلقاءه في النار ، وكان في الهواء مشرفا عليها ، فعرض له جبرئيل ، فقال :