فهذا الجواب غير حاسم لمادّة الشبهة ، وإنّما تنحسم بما أسلفناه من الجواب لا يجري في قوله عليه السّلام « من عرف نفسه فقد عرف ربّه » « 1 » وهذا أيضا صريح فيما قلناه من أنّ أصل العلم بأحدهما يقتضي العلم بالآخر .
ثمّ لا يذهب عليك أنّ ما أفاده من أنّ الرجل لا يطلق عليه أنّه أعلم بالنحو إلّا إذا توغّل في بحاره وميادينه ، وترقّى من مطالعه إلى مقاطعه ، ومن مباديه إلى غاياته ، على وجه يكون مستوليا على جميع مسائله لا يعزب عنه شيء منها ، مجرّد دعوى بلا دليل ؛ لأنّ صيغة « أفعل » في أمثال هذه الموارد يقال على التشكيك .
فمن كان له مزية ما على غيره في النحو ، يقال : هو أعلم منه ، ولا يتوقّف هذا الاطلاق على كونه على الوصف المذكور ، ولعلّه جعل المفضّل عليه في قولهم « هو أعلم بالنحو من كلّ أحد » ولا كذلك ؛ إذ ليس المراد أنّ أعلمكم من كلّ أحد بنفسه أعلمكم من كلّ أحد بربّه ، بل المراد أنّ علمكم بربّكم يختلف شدّة وضعفا باختلاف علمكم بأنفسكم .
فإذا كان علم زيد بنفسه أكثر من علم عمرو بنفسه ، كان علمه بربّه أكثر من علمه بربّه . وإذا كان علم بكر بنفسه أكثر من علم زيد بنفسه ، كان كذلك ، وهكذا .
واعلم أنّ أفعل التفضيل إذا أضيف ، فله معنيان :
أحدهما : وهو الشايع الكثير أن يقصد به الزيادة على جميع ما عداه ممّا أضيف إليه .
والثاني : أن يقصد به الزيادة على ما عداه مطلقا ، لا ما عداه ممّا أضيف إليه وحده .
هامش
( 1 ) بحار الأنوار 2 : 32 .