حتّى بطريق الكسب ، وهذا هو الجبر المحض ، فلا فرق عندهم بين حركة المرتعش والمختار .
فالفرق بين مذهبي الجهمية والأشعرية بعد اشتراكهم في أنّ العبد ليس مصدرا لأفعاله ، أنّهم يثبتون الكسب بالمعنى الذي سبق ، ويقولون : بأنّ الفعل إنّما ينسب إليه باعتبار قيامه به بطريق الكسب ، بخلاف الجهمية فإنّهم ينفون الكسب ويسندون الفعل إليه لمجرّد قيامه به وإن لم يكن مكسوبا له .
فعلى مذهب جمهور الأشاعرة وإن لم يلزم عدم الفرق بين الفعل الاختياري والاضطراري المخالف لبديهة العقل ، إلّا أنّه يلزم لغوية الأمر والنهي والمدح والذمّ والوعد والوعيد وإرسال الرسل وإنزال الكتب ، وبطلان الثواب والعقاب ، ومساواة الحسن والقبح ، فإنّ أفعال العباد كلّها عندهم مستندة إليه تعالى ، والقول بالكسب لا ينفعهم ، فإنّه أيضا من أفعاله تعالى ، فيكون صدوره عنهم على وجه الاضطرار دون الاختيار كما سبق ، فتذكّر .
شبهة مدروءة
قد يتوهّم أنّ الإيمان والفضل والكمال وأضدادها تابعة لطهارة الطينة وصفائها ، وخباثة الطينة وظلمتها ، وهي شبهة ضعيفة ؛ لأنّ اللّه تعالى لمّا علم أنّ الأرواح يعود بعضها باختياره إلى الإيمان وما يتبعه ، وبعضها إلى الكفر وما يتبعه .
وذلك لتقصيره عن النظر الواجب عليه شرعا المتمكّن منه عقلا ولا عذر له ، لأنّ الواجب على الواجب تعالى بعثة الرسل ، وخلق القدرة والآلات والألطاف وقد فعله له ، فالتقصير له ، وإلّا فهما متّحدان نوعا ومختلفا شخصا ، كما ثبت في محلّه .
خلق للأوّل مسكنا من طينة علّيين ، وللآخر من طينة سجّين ، ليستقرّ كلّ فيما