الالجاء والجبر في شيء منهما ، بل ليس تأثيرهما فيهما إلّا كتأثير القوى العقلية والشهوية والغضبية ، فكما أنّ المكلّف مع هذه القوى يكون قادرا مختارا في فعله وتركه ، فكذلك يكون مع هذه الطينة قادرا مختارا فيهما من غير فرق .
بل في الحقيقة هذه الطينة هي الموجبة لاستعداد فيضان هذه القوى ، مع أنّ كلّ فرد من أفراد الإنسان خلق من هاتين الطينتين ، كما يستفاد من الأخبار ، ويدلّ عليه خروج المؤمن من الكافر وبالعكس ، فيكون تأثير كلّ منهما معارضا بتأثير الآخر ، فلا يكون كلّ منهما علّة تامّة لتأثيره ، بحيث يصل إلى حدّ الالجاء والجبر .
وبالجملة لمّا دلّ العقل والنقل على الاختيار ، فلا بدّ من التأويل في تلك الأخبار ، توفيقا بينها وبين ما دلّ على خلافها .
ومنهم من قال : إنّه سبحانه أجبر العباد على ما أراده بالإرادة التكوينية ، واضطرّهم في جريان ما قدّره وقضاه عليهم من الأمور المستندة إليه تعالى ، وليس لهم فيها مدخلية أصلا ، كالسعادة والشقاوة والتوفيقات والخذلان والحياة والآجال والأعمار والأرزاق والصحّة والسعة وأمثالها ، ولم يجبرهم على الفعل والترك فيما لهم فيه مدخلية ، ويستند إليهم من أفعالهم الاختيارية وتكاليفهم الشرعية المرادة بالإرادة التكليفية .
ثمّ قال : فإن قيل : إذا قلتم بخلق السعادة والشقاوة في السعيد والشقي اضطرارا ، فقد ألزمتم أنّه تعالى اضطرّ الأوّل بفعل الخيرات والثاني بتركها ؛ إذ السعادة موجبة لفعل الخيرات ، والشقاوة لتركها ، فما معنى الاختيار وحسن التكليف ؟
قلنا : إنّه تعالى خلق السعيد ، فخلقت السعادة بخلقه ، وخلق الشقي فخلقت الشقاوة بخلقه ، لا أنّه خلقهما فخلق السعادة والشقاوة فيهما .
الرسائل الإعتقادية ( ط الثانية ) — صفحة 458
مساهمون: السيد مهدي الرجائي
ص٤٥٨