والذي حارت البرية فيه * حيوان مستحدث من جماد
يعني : إنّ البرية تحيّرت في المعاد الجسماني ، والنشور الذي ليس بنفساني ، وفي أنّ أبدان الأموات كيف تحيى من الرفات ، فالطبيعيون منهم لمّا زعموا أنّ النفس : إمّا جسم ، أو جسماني ، واعتقدوا أنّ المعدوم لا يعاد ، أحالوا المعاد مطلقا .
والإلهيون منهم لمّا قالوا بتجرّدها وبقائها بعد خرابه ، مع قولهم بامتناع إعادة المعدوم ، حصروه في الروحاني فقط على ما هو المشهور منهم .
ولكنّه غلط مشهور لا أصل له ، فإنّ بعضهم كالمعلّم الثاني في شرحه على رسالة زيتون الكبير ، قال : وأمّا المعاد ، فقد ورد به الشرع ونحن نتبع على وفق ما أمر به الشرع والنبي ، وهو منقسم إلى لذّات عقلية ولذّات جسمية .
وكذلك ابن سينا في الشفاء قال بهما جميعا ، حيث قال : يجب أن يعلم أنّ المعاد منه ما هو منقول عن الشرع ، ولا سبيل إلى إثباته إلّا من طريق الشريعة ، وتصديق خير البرية ، وهو الذي للبدن عند البعث ، وقد بسطت الشريعة الحقّة التي أتانا بها سيّدنا ونبينا ومولانا محمّد صلوات اللّه وسلامه عليه ، حال السعادة والشقاوة التي بحسب البدن ، ومنه ما هو مدرك بالعقل والقياس البرهاني ، وهو السعادة والشقاوة الثابتتان بالمقاييس للأنفس ، وإن كانت الأنفس منّا « 1 » تقصر عن تصوّرها « 2 » .
وفيه أنّ القول بامتناع وجود بعد غير متناه ، مع القول بأنّ أفراد النفوس
هامش
أمر اللّه ظاهر في تقديره وحكمه بالموت على العبادة ، ولكن الناس مختلفون ، فمنهم من يدعو إلى حرص الدنيا فيقتدي به فيضلّ ، ومنهم من ترك الدنيا وزخارفها فيقتدي به فيهتدي ، وإلّا فلا وجه لإطلاق لفظ المعاد على الباقي « منه » .
( 1 ) في الشفاء : الأوهام هاهنا .
( 2 ) الشفاء ، الإلهيات ص 423 .