فمن هذه الجهة يصحّ أن يقال : لولا فضل اللّه ورحمته ما من أحد يدخله الجنّة عمله ؛ إذ لولا إقداره تعالى وتمكينه وتوفيقه العبد على فعله لما صدر منه ما يستحقّ به الثواب ودخول الجنّة ، كما أشار إليه بقوله عزّ من قائل :
وَلَوْ لا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ ما زَكى مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ أَبَداً
« 1 » .
فالباء في نحو قوله تعالى :
ادْخُلُوا الْجَنَّةَ بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ
« 2 » إن جعلت باء المعية - كما قيل - يكون المعنى أدخلوها مع ما كنتم تعملون من الذنوب والخطايا ، فيكون دخول الجنّة تفضّلا من اللّه ، لا عوضا من الأعمال الحسنة ، ولا مسبّبا منها .
ويؤيّده قوله تعالى :
وَقالُوا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَذْهَبَ عَنَّا الْحَزَنَ إِنَّ رَبَّنا لَغَفُورٌ شَكُورٌ * الَّذِي أَحَلَّنا دارَ الْمُقامَةِ مِنْ فَضْلِهِ لا يَمَسُّنا فِيها نَصَبٌ وَلا يَمَسُّنا فِيها لُغُوبٌ
« 3 » فهذا عين ما دلّ عليه حديث أبي هريرة ، فكيف يخالفه ؟
قال البيضاوي : « من فضله » من إنعامه وتفضّله ؛ إذ لا واجب عليه « 4 » . وهذا بناء على مذهبه ، فإنّه أشعري الأصول .
ولمّا كان صاحب الكشّاف معتزلي الأصول ، قال في تفسيره : « من فضله » من عطائه وإفضاله ، من قولهم « لفلان فضول على قومه وفواضل » وليس من الفضل الذي هو التفضّل ؛ لأنّ الثواب بمنزلة الأجر المستحقّ ، والتفضّل كالتبرّع « 5 » .
أقول : إنّ القرآن ذلول ذو وجوه تقول ويقولون .
هامش
( 1 ) سورة النور : 21 .
( 2 ) سورة النحل : 32 .
( 3 ) سورة فاطر : 34 - 35 .
( 4 ) أنوار التنزيل للبيضاوي 2 : 303 .
( 5 ) الكشّاف 3 : 310 .