استضاءته ممّا يليه ، واستضاءة ما يليه عمّا يليه إلى مسبّب الأسباب من غير سبب غير علمه الكمالي ، ومثل هذا ليس جبراً واضطراراً ؛ لأنّ العلم أصل الجميع وأوّله ، والعلم فوق الشعور والاختيار والجبر والإيجاب في الأمور الخالية عن العلم ، بل هو من قبيل ترتّب العلم بالنتيجة على العلم بالمقدّمتين قهراً .
لا يقال : إنّه يستلزم قِدم العالم ، وهو باطل عقلًا ونقلًا !
لأنّا نقول : إنّ الممتنع من تعدّد القدماء ما كان قديماً بالذات كتعدّد الواجبين ، والمشيّة حادثة بالذات ؛ لأنّها فعل ، والفعل بلا فاعل محال الوجود ، وقد أوضحنا أمره في مثال النقطة التي هي أصل الألف ومحتجبة بظهورها ، ولا تظنّ أنّ الذات الواجبيّة بمنزلة النقطة ، فإذا تحرّكَت النقطة وصارت ألفاً تحرّكت ، فكذا الواجب إذا صار مشيّة ، بل المقصود أنّ الألف بما هي ألف ليست إلّاألفاً لا نقطة فيها يزائلها ، ولا نقطة فيها يمازجها ، وليست الألف أيضاً أصلًا لا يحتاج إلى أصل ، فإن صعدت فالألف أو المشيّة غيب لا خبر عنها وبها ، وإن نزلت فالنقطة والذات الواجبيّة غيب كذلك .
وعلى أيّ حال فالمتحقّق في جميع تلك المراتب الستّة الطوليّة شيء واحد لا شيئان ، وإنّما العقل مطابقاً للنقل والكشف الصحيح دلّ على نفي البينونة بينهما بالعزلة ، وعلى إثباتها - على ما أوضحناه - فما هو الموجود في عالم التقدير والخلق بسبب الثلاثة الأخيرة على ترتّب هذه الأسباب الثلاثة مخلوقة لعالم الأمر المنتهي إلى « كُن » وهي المشيّة ، ولا ضير فيه ، بل بحسب المصيّر إليه ؛ لأنّه ليس إلّامسبّبة الممكن عن الممكن المسبّب عن مثله ، وهكذا إلى شيء هو صرف لا مسبَّب ، وإلّافيدور أو يتسلسل ، فالأشياء على ترتّبها مخلوقة بالمشيّة ، والمشيّة مخلوقة بالخلق بالمعنى الأعمّ من الأمر بنفسها ، فبطل التفويض عزلة ، وثبت وحده ، غاية الأمر لزوم جمع النقيضين بجهة واحدة ، ولا عيب فيه كما قال تعالى :
« وَما رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ » ،
« 1 »
« وَما تَشاؤُنَ إِلَّا أَنْ يَشاءَ اللَّهُ » ؛
« 2 »
*
وهو الأوّل وهو الآخر ، وهو الظاهر وهو الباطن ، وداخل في الأشياء لا بالممازجة دخول كلّ من الخلّ والعسل من الآخر في الكنجبين ،
و
هامش
( 1 ) . سورة الأنفال ، الآية 17 .
( 2 ) . سورة الإنسان ، الآية 30 ؛ سورة التكوير ، الآية 29 .