وإلّافهما سواء في الرتبة ، وهو غير معقول ؛ إذ لا يمكن تصوّر تعدّد المطلق بما هو مطلق ، كما لا يجوز تعدّد صرف الوجود الواجبي بما هو صرف الوجود ؛ إذ التعدّد بحيث صار به كلّ واحد من المتعدّدين في عرض الآخر مناف للصرافة بالضرورة ، وهذا خلف فرض الصرافة ، ولا بواسطة المشيّة المذكورة ؛ إذ الواسطة لابدّ لها من شيئين واثنين ، وهو بيّن ، ولذا لم يقل في الكتاب : ما من نجوى ثلاثة إلّاو هو ثالثهم ، بل قال :
« هُوَ رابِعُهُمْ »
« 1 » الآية ؛ فيكون الرابع في كلّ مرتبة من الأدنى إلى الواحد والأكثر إلى غير النهاية واحداً بالوحدة الحقّة وحقّ الوحدة ، وهذه طريقة ظهور الموجودات على ترتّبها من الواحد الحقيقي .
وإن أردت الوضوح التامّ فلاحظ أنّ المشيّة المسبّبة عن العلم بما هي نور ساطع واحدة البتّة ، وهي لا يتميّز عن الذات الواجبيّة المقدّمة عليها بحكم البرهان الدالّ على لزوم انتهاء الممكنات إلى الواجب الوجود من الدور والتسلسل ، وبحكم الكشف الحاكم على أنّ المشيّة ليست بواجبة الوجود لذاته ؛ لتشعّبها إلى الموجودات والتقييدات ، والواجب لا يقبل التشعّب والتقييد .
وإذا عرفت حال العلم البسيط الكمالي الذي هو عين ذاته تعالى بالنسبة إلى المشيّة لغيبه وظهورها وتحقّق واحد في البين بدون إمكان تصوّر كثرة وعزلة ، فقس حال المشيّة بالنسبة إلى الإرادة التي هي فعل الفعل ، ومن قسم الممكنات ؛ لعدم كونها واجبة الوجود وممتنعة الوجود ، بل ممكن الوجود ؛ لبطلان قسم رابع ، وكلّ ممكن معلّل ومسبّب ، وكلّ مسبّب لا يكون عين ذات السبب ولا جزءه ، فالإرادة إنّما يكون مسبّب المشيّة التي يليها ، لا مسبّب الذات ، وإلّالم يكن إرادة بل مشيّة . هذا ، فتأمّل .
فالإرادة أيضاً لظهورها وغيب المشيّة فيها أمر واحد ، وهكذا إلى الإمضاء ، فالكلّ موجود بما يليه ، واستناد الأخير إلى السبب البعيد مجاز عرفاً وعرفاناً . فإن سُمّيت مثله تفويضاً فلا بأس به ؛ لأنّه في الحقيقة تفوّض وترتّب لا تفويض ؛ لاستحالته ، حيث لا يمكن أن يسبّب القريب عن البعيد حتّى يفوّضه إلى الوسط الأعلى معنى
هامش
( 1 ) . سورة المجادلة ، الآية 7 .