الفقر ، ليس إلّاذاتاً وصفةً وفعلًا ، وتحته سرّ .
فالفقر السازج أوّل الصادر عنه وأشرف من جميع ما عداه ، وهو الوجود المطلق والمشيّة الإطلاقيّة والحقيقة المحمّديّة صلى الله عليه وآله ؛ كما قال : الفقر فخري . « 1 »
والفقر الحقيقي السازج ما لا يملك ذاته وصفته وفعله ، فمولاه هو الغني ، وحينئذ لا فرق بينه صلى الله عليه وآله وبينه تعالى إلّاأنّه عبده ، والعبد لا يملك شيئاً ولو فاضل الضريبة ، « 2 » فلا شيئيّة له بالحقيقة ، وإنّما هو الشيء بحقيقة الشيئيّة .
وإن لاحظت احتجابه واختفاءه فما في الوجود ليس إلّاالوجود المطلق الذي هو الصادر الأوّل ؛ إذ كلّ موجود يفرض فإنّما هو تحت شمول هذا الوجود المطلق ، وهو أمر واحد كلمح بالبصر أو هو أقرب ، من غير أن يتقيّد بقيد ويتعيّن بتعيّن ، وفي هذا المقام الانبساطي لا نبيّ ولا جبرئيل ولا وصيّ ولا تكليف ولا فروع ولا تفويض ولا جبر ؛ لأنّهما فرع العزلة ، « 3 » وقد أبطلناها بما لا مزيد عليه .
نعم مقتضى فخريّة فقر نبيّنا الخاتم تفويض جميع ما له وما معه إلى اللَّه تعالى ، والشيء إنّما يؤثّر في مشاكله ، فاللَّه تعالى فوّض إليه جميع ما له ، مَن فَوّض فُوّض ، كما هو المتحقّق بيننا ؛ حيث إنّ عبد المجازي لو فوّض جميع ما له إلى مولاه من غير أن يتصرّف في شيء من الأشياء إتياناً بما هو من لوازم العبوديّة ، لَفوّض مولاه جميع أموره إليه ثقة به ، من خَدم خُدم ، وحمل التفويض على هذا المعنى في أخباره الكثيرة صحيح لا مزيّة فيه ، إلّاأنّ المزيّة في لازمه ، وهو أنّه هو وهو هو .
وبوجه آخر : نبيّنا أكمل الموجودات قوّةً وأوّلُها صدوراً منه تعالى ، وهو بما هو أوّل الصوادر خارج عن عالم التقيّدات والحدود ، وهو مقام فؤاده الذي هو ولايته المطلقة فوق نبوّته ؛ أي إخباره عمّا اقتضاه استعداد المستعدّين في نشأتي الملك والملكوت فقيرة هنا وقع بعده ، وإذا وقع بعده لم يكن صادراً منه تعالى ، كما صدر الوجود المطلق الذي هو المشيّة عنه تعالى ، بمعنى كونه فعله الأوّل لا بذاته ،
هامش
( 1 ) . عدّة الداعي ، ص 123 ؛ عوالي اللئالي ، ج 1 ، ص 39 .
( 2 ) . كذا .
( 3 ) . كذا في ظاهر المخطوطتين ، ولكن يمكن قراءته « الغيرية » أيضاً بدون النقطتين للياءين ، وهو الصحيح ظاهراً .