و « المنتجب » : من انتجبه ، أي اختاره واصطفاه ، وإنّما اختاره من بين صفاته تعالى لأنّ الانتجاب - وهو الانتخاب - أخصّ من الارتضاء ، ولذا يوصف بالأوّل العبوديّة ، كما يوصف بالثاني الرسالة ، والعبوديّة فوق الرسالة ؛ لأنّها جوهرة كنهها الربوبيّة ، ولأنّ العبد لا يملك شيئاً من ذاته وصفاته وأفعاله ، بل العبد وما يملكه للمولى ؛ فالعبوديّة مساوقة للفقر ، والفقر إذا تمّ فهو اللَّه ؛ إذ الفقر السازج البسيط ، لا يكافئونه في عالم التضاؤف المستتبع لتكافؤ المتضائفين تصوّراً وتحقّقاً ، إلّا الغنى الصرف السازج البَحت « 1 » البسيط ، ومن هذا شأنه وجب أن يكون مظهر ذاته تعالى وصفاته وأفعاله وآثاره ، فهو الرحمة التي وسعت كلّ شيء ، والرحمة من صفات نبيّنا الخاتم صلى الله عليه وآله على ما نطق به الكتاب العزيز ، الذي
« لا يَأْتِيهِ الْباطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلا مِنْ خَلْفِهِ » ،
« 2 » وكونه إيّاها موجب انتجابه واختياره .
[ قوله : وعلى أوصيائه الحجب ]
وعلى هذا يرد إشكال ، وهو أنّ طلب الرحمة من اللَّه تعالى عليه صلى الله عليه وآله « وعلى أوصيائه الحُجُب ؛ لأنّ الفقرة إخبار في معنى الإنشاء من باب طلب الرحمة على الرحمة ، وهو كما ترى ؟ !
وجوابه : أنّ الحقيقة المحمّديّة لها مراتب أربعة ؛ ثنتان منها في دار التكليف ، ولازم التكليف والحركات المادّيّة أن يحتاجوا إلى الرحمة من اللَّه تعالى ببلوغهم إلى غاية حركتهم ، وهي مقام أصلهم المحيط بكلّ شيء . فحقيقة الصلاة عليهم ليست إلّا الإشارة إلى هذا المقام ، غاية المرام أن يحتاج بعض مراتبهم النازلة إلى بعض مراتبهم العالية في التكوين ، وأن يجب علينا الصلاة عليهم « 3 » في تشهّد الصلوات الخمس وغيرها والإيمان بتلك الحالة والإذعان بتلك الكيفيّة . ومثل هذا ليس من تحصيل الحاصل ، أو احتياج الشيء إلى نفسه ، أو نحو ذلك من الإشكالات المتطرّقة على الصلوات .
ويمكن اعتبار جميع معاني الصلاة هنا ؛ أمّا الرحمة فقد أشرت إلى اعتبارها بما
هامش
( 1 ) . البحت : الخالص من كلّ شيء ، وهو الصرف المحض . لسان العرب ، ج 2 ، ص 9 ( بحت ) .
( 2 ) . سورة فصّلت ، الآية 42 .
( 3 ) . الأصل : - / عليهم .