قال الإمام النووي « 1 » قدس سره : يعني : غلّة الوقف الّذي أوقفه على المسلمين تبلغ هذا القدر . « 2 »
وقد كان لايمسك شيئاً من الدنيا في بيته ، وكان يكنس بيت المال ويصلّي فيه كما تَقدّم ، ويخاطِب الذهب والفضة بقوله : يا صفراء ، غُرِّي غيري ؛ يا بيضاء ، غرّي غيري ؛ فقد طلّقتك طلاقاً بائناً لا رجعة بعده .
وإنّما كان يربط الحجر على بطنه الشريف اقتداءً بابن عمّه وسيّده رسول اللَّه صلى الله عليه وآله ، لا عن قلّة ، بل زهداً ورفضاً للدنيا التي هي أسحر من هاروت وماروت ، وابتغاءً لمرضاة اللَّه تعالى ونفع عباده المؤمنين .
وكرمه وسخاؤه أكثر من أن يحصى ، ومِن ثَمّ لم يَترك يوم موته إلّاستمئة درهماً . « 3 »
قال الماوردي في أدب الدنيا والدين « 4 » : قال النبيّ صلى الله عليه وآله لعديّ بن حاتم :
رفع اللَّه عن أبيك العذاب الشديد بكرمه .
فالكرم ينقسم إلى قسمين : عمل وقول ، أي إعطاء المال والكلام الحسن وملاطفة الخلق باللسان :
إذا لم يكن مال تجود بفضله * فاجعل لسانك للسخاء بديلًا
إذا عدمت الإحسان فأحسن اللسان .
قال ابن عبّاس رضي الله عنه في قوله تعالى :
وَالْباقِياتُ الصَّالِحاتُ
تمهيد « 5 » : إنها الكلام الطيّب .
[ إنّ اللَّه قد زيّنك بزينةٍ لم يتزيّن العباد بزينة أحبّ إليه منها ]
ومِن زهده رضي الله عنه ما حكاه في المحاسن أنّ النبيّ صلى الله عليه وآله قال له :
يا عليّ ، إنّ اللَّه تعالى قد زيّنك
هامش
( 1 ) . في الأسماء واللغات ، ج 1 ، ص 346 .
( 2 ) . مختصر المحاسن المجتمعة ، ص 180 .
( 3 ) . ورد نحو هذا الخبر في الخطبة التي خطبها الإمام الحسن بعد وفاة أبيه عليهما السلام ، وقد رواها جمع غفير .
( 4 ) . أدب الدنيا والدين ، ص 184 في عنوان « البر وأنواعه » من الباب الرابع وفيه : . . . الشديد لسخائه .
( 5 ) . سورة الكهف ، الآية 46 ؛ سورة مريم ، الآية 76 .