وقد قيل فيه وجوه :
الأول : أن المراد بنية المؤمن اعتقاده الحق . ولا ريب أنه خير من أعماله ؛ إذ ثمرته الخلود في الجنة ، وعدمه يوجب الخلود في النار ، بخلاف العمل ، وبهذا يزول الإشكال في ما يروى من « 1 » تتمة هذا الحديث من قوله صلى الله عليه وآله : ونية الكافر شرّ من عمله .
الثاني : أن المراد أن النية بدون العمل خير من العمل بدون النية .
وردّ بأن العمل بدون نية لا خير فيه أصلًا ، وحقيقة التفضيل تقتضي المشاركة ولو في الجملة .
الثالث : أن المؤمن ينوي خيرات كثيرة لا يساعده الزمان على عملها ، فكان الثواب المترتب « 2 » على نياته أكثر من الثواب المترتب على أعماله . وهذا الكلام ينسب إلى ابندريد اللغوي « 3 » .
الرابع : أن طبيعة النية خير من طبيعة العمل ؛ لأنه لا يترتب عليها عقاب أصلًا ، بل إن كانت خيراً أثيب عليها ، وإن كانت شراً كان وجودها كعدمها ، بخلاف العمل ؛ فإن من « يعمل مثقال ذرة خيراً يره * ومن يعمل مثقال ذرة شراً يره » « 4 » ، فصح أن النية بهذا الاعتبار خير من العمل .
الخامس : أن النية من أعمال القلب ، وهو أفضل من الجوارح ، فعمله أفضل من عملها . ألا ترى إلى قوله تعالى :
« أَقِمِ الصَّلاةَ لِذِكْرِي »
« 5 » جعل سبحانه الصلاة وسيلةً إلى الذكر ، والمقصود أشرف من الوسيلة ، وأيضاً فأعمال القلب مستورة عن الخلق لا يتطرق إليها الرياء ونحوه ، بخلاف أعمال الجوارح .
السادس : أن المراد أن نية بعض الأعمال الشاقة كالحج والجهاد خير من بعض الأعمال الخفيفة ، كتلاوة آية والصدقة بدرهم مثلًا .
السابع : أن لفظة « خير » ليست اسم تفضيل ، بل المراد أن نية المؤمن خير من جملة أعماله ، و « مِن » تبعيضية ، ونُقل هذا عن السيّد المرتضى - رضوان اللَّه عليه - « 6 » ، وبه يندفع التنافي بين هذا الحديث وبين ما روي عنه صلى الله عليه وآله : أفضل الأعمال أحمزها . ويزول الإشكال المشهور في قوله عليه السلام : نية الكافر شر من عمله . فإن لفظة « شر » حينئذٍ كلفظة « خير » في عدم إرادة
هامش
( 1 ) . في المطبوع من الأربعين : « في » .
( 2 ) . لفظة المترتب ليست في مخطوطة الأربعين .
( 3 ) . في نسختي الأربعين بعد اللغوي رمز « ره » أي : رحمة اللَّه عليه .
( 4 ) . سورة الزلزلة ، الآية 7 - 8 .
( 5 ) . سورة طه ، الآية 14 .
( 6 ) . في نسختي الأربعين : « رضي اللَّه عنه » .