المنافية لذلك المضادة له ] « 1 » ؛ فإن النفس إنما تنبعث إلى الفعل وتقصده وتميل إليه تحصيلًا للغرض الملائم لها بحسب ما يغلب عليها من الصفات ، فإذا غلب على قلب المدرّس مثلًا حب الشهوات « 2 » وإظهار الفضيلة وإقبال الطلبة عليه وانقيادهم إليه ، فلا يتمكن من التدريس بنية التقرب إلى اللَّه سبحانه بنشر العلم وإرشاد الجاهلين ، بل لا يكون تدريسه إلا لتحصيل تلك المقاصد الواهية والأغراض الفاسدة وإن قال بلسانه : « ادرّس قربة إلى اللَّه » وتصوّر ذلك بقلبه وأثبته في ضميره ، وما دام لم يقلع تلك الصفات الذميمة من قلبه لا عبرة بنيته أصلًا .
وكذا إذا كان قلبك عند نية الصلاة منهمكاً في أمور الدنيا والتهالك عليها والانبعاث في طلبها ، فلا يتيسر لك توجيهه بكلّيته إلى الصلاة وتحصيل الميل الصادق إليها والإقبال الحقيقي عليها ، بل يكون دخولك فيها دخول متكلّف بها متبرّم « 3 » بها ويكون قولك : أصلّي قربة إلى اللَّه كقول الشبعان : « أشتهي الطعام » وقول الفارغ : « أعشق فلاناً » مثلًا .
والحاصل أنه لا تحصل لك النية الكاملة المعتد بها في العبادات من دون ذلك الميل والإقبال ، وقمع ما يضاده من الصوارف والأشغال ، وهو لا يتيسر إلّاإذا صرفت قلبك عن الأمور الدنيوية ، وطهّرت نفسك عن الأمور « 4 » الذميمة ، وقطعت نظرك عن حظوظك العاجلة بالكلية .
ومن هنا يظهر أن النية أشق من العمل بكثير فتكون أفضل منه ، ويتبين لك أن قوله صلى الله عليه وآله :
أفضل الأعمال أحمزها ، غير منافٍ لقوله صلى الله عليه وآله : نية المؤمن خير من عمله ، بل هو كالمؤكِّد والمقرِّر له ، واللَّه ولي التوفيق . « 5 »
انتهى كلامه أعلى اللَّه مقامه .
[ التنقيب حول كلام الشيخ البهائي ]
ولا يخفى أن ما ذكره الشهيد رحمه الله اشتمل على ما ذكره البهائي وزيادة ، سوى الوجه الرابع والثامن والتاسع ، فإنها ليست في كلام الشهيد ، فكأنه رحمه الله لم يذكر تلك الزيادة ؛ لزيادة بُعدها ولتكرر بعضها ، لكنه ذكر بدلها هذه الثلاثة ، فكأن هذه التسعة مرضية عنده إذ لم يذكر غيرها ، ولو يكون غيره ممّن تقدمه يذكر غيرها ممّا هو أقرب منها لذكره البتة .
وقد قال في عنوان نقلها : « بسط مقال لتوضيح حال » ، فينبغي أن يكون تلك الوجوه التسعة
هامش
( 1 ) . أضفنا الزيادة من الأربعين بنسختيه .
( 2 ) . في الأربعين - بكلا نسختيه - : « حب الشهرة » ، وهو أظهر .
( 3 ) . الكلمة مشوشة ، قرأناها كذلك كما في نسختي الأربعين .
( 4 ) . في الأربعين المخطوطة منه والحجرية : الصفات .
( 5 ) . الأربعين للشيخ البهائي ، ص 312 ، ح 37 .