من قلّة « 1 » ، حتّى ورد عليهم ما ورد ، فرجع إلى الحقيقة فاستغفر .
وقيل : مقام النبيّ صلى الله عليه وسلم مقام كشف وحجب ، وشريعةٍ وحقيقة ، وظاهرٍ وباطن ؛ فإذا أخبر عن حقيقة حاله قال : إنّي لستُ كأحدكم إنّي أبيت عند ربّي يطعمني ويسقيني . « 2 » وإذا أخبر عن ظاهر أمره قال : إنّما أنا بشر ، أنسى كما تنسون . « 3 » فإذا أخبر عن هذه الحالة وجد في قلبه إغانةً ، فيستغفر منه .
وقيل : الإغانة قول النبيّ صلى الله عليه وسلم : أنا أعلمكم باللَّه ، فوجد لذلك القول في قلبه إغانةً فقال :
وأشدّكم له خشيةً « 4 » ، يظهر بذلك عجز العبودية ، فإذا بَدا له ما بَدا من غير سؤال ، وجد في قلبه إغانة لسؤاله ، فيستغفر .
وقيل النبيّ صلى الله عليه وسلم إذا أخبر عن حقائق الحقّ وصفاته يكون مكشوفاً له عنها ، فإذا رجع إلى ما امر به من مراتب الشرع فكان مستتراً بها عن حقائق الحقّ برؤية الأغيار ، فوجد في قلبه إغانةً ، فيستغفر منها .
وقيل : كان النبيّ صلى الله عليه وسلم في علم اليقين ، فلمّا بَدا له عين اليقين وجد وحشة من الحالة الأولى ، فلمّا بدا له حقّ اليقين استوحش من الحالين جميعاً فوجد في قلبه إغانة عنها ، وهذه الأحوال كلّها حقٌّ وحقيقة .
وقيل : كان قلب النبيّ صلى الله عليه وسلم أصفى القلوب وأنورها ، فيؤثر فيه أدنى شيء ما لا يؤثر على غيره ، وهي الإغانة .
وقيل : كان النبيّ صلى الله عليه وسلم بين استتار وتجلّي ، فإذا أخبر عن حال الاستتار أخبر عن الآداب والشرائع ، وإذا كان في حال التجلّي أخبر عن الحقّ وحقيقته ، فيجد في قلبه
هامش
( 1 ) . الإرشاد للمفيد ، ج 1 ، ص 126 .
( 2 ) . المناقب ، ج 1 ، ص 314 ؛ عوالي اللئالي ، ج 2 ، ص 233 ؛ بحار الأنوار ج 16 ، ص 390 ؛ مسند أحمد ، ج 2 ص 237 . ومرّ تفسيره أيضاً في أوّل هذا القسم في رقم 2 / 27 .
( 3 ) . سنن النسائي ، ج 3 ، ص 28 ؛ مسند أحمد ، ج 1 ص 379 ؛ صحيح مسلم ، ج 2 ، ص 84 .
( 4 ) . منهج الصادقين ، ج 4 ، ص 300 وج 7 ، ص 327 و 445 .