فيشغله ذلك من مشاهدة الحقّ وملاحظته ، فيستغفر منها .
وقيل : إنّ تلك الإغانة ما يرى من زوائد المبارّ والإنعام عليه من ربّه ، فربما شغله النعمة والبرّ عن المنعم والبارّ لحظةً ، فيستغفر من تلك اللحظة ؛ فإنّ الجنيد رحمه الله قال :
إيّاكم والاستناد إلى النعم ؛ فإنّها تقطع عن المنعم .
وقيل : إنّ اللَّه تعالى رزق الخلق بالأسباب ، فمن شهدها قطعه من المسبّب ، وربما شاهد النبيّ صلى الله عليه وسلم شيئاً من الأسباب فيجد في قلبه منها إغانةً ، فيستغفر منها في الوقت .
وقرأ قارئٌ بين يدي الحصري :
« وَأُفَوِّضُ أَمْرِي إِلَى اللَّهِ »
« 1 » فقال : لمّا قال النبيّ صلى الله عليه وسلم فوّضت أمري ، عوتب في ذلك فقيل : لك معنا أمرٌ ؟ ! « 2 » فاستغفر ، فقال : أعوذ بك منك « 3 » ، وتلك الإغانة .
وقيل : [ لمّا نزلت ]
« اعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعاً »
اعتصم النبيّ صلى الله عليه وسلم بالقرآن ، فلمّا نزلت : « واعتصموا بالله » استغفر من الاعتصام بحبل اللَّه ، وهي الإغانة .
وقيل : لمّا رأى النبيّ صلى الله عليه وسلم من شدّة قوّة أصحابه وقتالهم بين يديه أنزل اللَّه :
« فَلَمْ تَقْتُلُوهُمْ وَلكِنَّ اللَّهَ قَتَلَهُمْ وَما رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلكِنَّ اللَّهَ رَمى »
« 4 » أشهده الفعل وبرّأه منه بالنيابة عنه ، فاستغفر من ذلك وهي الإغانة .
وقال الجنيد رحمه الله : الإغانة مثل الغيم الرقيق لا بقاء له ، وكان النبيّ صلى الله عليه وسلم / 80 / لدوام اتّصاله وصفاء أحواله ربما يحسّ بشي منه لحظة أو أسرع من لحظة ، فيستغفر منها .
وقيل : الإغانة لا يؤثّر إلّافي أصفى قلب ، وهي قلب أصفاه له ربّه وأزال عنه الهواجس والظنون ، وذلك قلب النبيّ صلى الله عليه وسلم ؛ فإنّه أصفى القلوب .
وقال بعضهم : كان قلب النبيّ صلى الله عليه وسلم مروّحا بالإيمان والمعرفة ، فإذا وجد في قلبه
هامش
( 1 ) . سورة غافر ، الآية 44 .
( 2 ) . إشارة إلى سورة آل عمران ، الآية 128 ، الّتي خاطب اللَّه بها نبيّه وقال :« لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ ».
( 3 ) . قد مرّ في القسم الأوّل في الرقم 143 .
( 4 ) . سورة الأنفال ، الآية 17 .