يقذف في القلب ، فقيل : هل لذلك من أمارة / 95 / يعرف بها ؟ قال : نعم . قيل : وما هي ؟
قال : الإنابة إلى دار الخلود ، والتجافي عن دار الغرور ، والاستعداد للموت قبل نزول الموت . « 1 »
فكانت الأنوار بهدايته هادياً للقلوب بإنابتها ، وملبسها لها التقوى والمجانبة عن كلّ ما حذّر اللَّه تعالى من مخالفته ؛ لوجود قوّة الهداية وما فيها من الضياء والبصيرة ؛ فتبيّن رشده ، وعرف مصالحه ، وعلم مصارعه ، فامتنعت عن مكاسبه المحظورات وترك المخالفات ، ويتجافى عن الموبقات ، وقصد بالاجتهاد بجميع الموافقات وتعلّق بأوامره ونواهيه ، وبذلك خصّ اللَّه القلوب وجعلها معدن علمه وأوطان هدايته ومحلّ أذكاره ، وخصّ بإنزال وحيه ومستقرّ معارفه وأوعية محبّته ولطيف مكنون أسراره ، فقال عز وجل :
« نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ عَلى قَلْبِكَ »
« 2 » فخصّ قلبه بنزول الوحي ، فأزال عنه صفات الموت فقال : تنام عيناي ، ولا ينام قلبي . « 3 »
هذا ما ذكر الشيخ رحمه الله في حديث ابن مسعود رضي الله عنه .
إنّ علامة شرح الصدر وقوع نور الحقّ فيه وانفساخه به ؛ للاستقبال بنعت الإنابة إلى الحقّ ؛ لوجدان الكفاية والتزوّد عن الأشغال بموافقة الطبيعة ، ومراقبة داعي الحقّ بوصف الشوق والإجابة ، وهذا معنى قوله - عليه الصلاة والسلام - في أمارته : « الإنابة إلى دار الخلود ، والتجافي عن دار الغرور ، والاستعداد للموت قبل نزول الموت » ، وحقيقة الإسلام : انقياد السرّ عند مباشرة أمر القديم بعد تنوّره بأنوار لمعات كشف تجلّي جلاله ، وقبول الحقّ بعد كماله في لوائح سبحات القدم بقوّتها يخرج من الحدثان ، وتحمل بُرَحا أثقال العبودية بأنوار الربوبية .
هامش
( 1 ) . مستدرك الحاكم ، ج 4 ، ص 311 ؛ روضة الواعظين ، ص 448 ( بااختلاف ) ؛ الدر المنثور ، ج 3 ، ص 44 ؛ بحار الأنوار ، ج 61 ، ص 236 .
( 2 ) . سورة الشعراء ، الآية 193 .
( 3 ) . مستدرك الوسائل ، ج 5 ، ص 123 ؛ مسند أحمد ، ج 5 ، ص 40 ؛ بحار الأنوار ، ج 16 ، ص 399 .