إذا عرفت هذا ، فاعلم أنّه كما تكون كثرة الاختلاط مورثة النفاق ، تكون كثرة الخلاف والهجر من الناس منتجة الشقاق والإيذاء لهم ؛ لأنّ الإنسان جبل على التمدّن ، يحتاج بعضه إلى بعض ، ولا يمكنه قطع النظر عن جميع الأغيار ، بل لابدّ له من خادم يخدمه وخيّاط يخيط له وغير ذلك .
فإذا كان هكذا ، نبّه - عليه الصلاة والسلام - على أنّ المصاحبة حسنة بحيث لاتبلغ إلى الكثرة ؛ فإنّ كثرتها مثمر ما عرفت ، وكذا المخالفة ؛ لأنّ ترك الاتّصال بالكلّيّة يصير سبباً لعجز الإنسان عن تحصيل ما يتعيّش به ، بل خير الأمور أوسطها ، وهو كلّيّة جارية في جميع الأشياء حتّى العبادة ، فلا ينبغي من الاختلاط كثيره ولا من خلافه خلافه ، بل ينبغي ارتكاب أمر بين أمرين .
الكلمة الثانية والثمانون ، قوله عليه السلام : رُبَّ أملٍ خائِب
كلمة « ربّ » شرحت سابقاً ، وقد دخلت على النكرة الموصوفة ، ومتعلّقها محذوف تقديره : يوجد ؛ والمشهور قراءة « أمل » بالتحريك كرَمَل ، ويحتمل أن يُقرأ « آمل » بمدّ الهمزة كضارب ، وهو الرجاء ، وعلى الثاني ذوالرجاء ، وقد يطلق على المذموم فيقال : فلان طويل الأمل ، كثير الطمع ، زائد الحرص ؛ و « الخائب » من الخيبة ، وهو الحرمان من الآمال ، بأن لاتقضى ، وتوصيف الخائب له على القراءة الأولى مجازيّ ، وعلى الثانية حقيقيّ .
والمعنى : يوجد كثير من الآمال أو الآملين خائبة أو خائبين ، ووجهه واضح ، وهو أنّ الهمم قصيرة والطباع دنيّة ، فتظنّ أنّ حاجتها وأمانيها بيد من هو مثلها فلا تقضى ، بخلاف مَن كان من أهل العلم واليقين « 1 » ويطمع في حصول مقصوده من ربّ العالمين ؛ فإنّ رجاءه من محلّه ، وطلب مقصوده عمّن هو بيده ، فهو حقيق بإنجاحها حريٌّ بقضائها ، بخلاف الأوّل ؛ تأمّل .
هامش
( 1 ) . أهل يقين جماعتى را گويند كه يقين ايشان حاصل شده است به ذات پاك خدا . منه عفي عنه .