ففيه مبالغة وفي الأوّل استغراق ، إذ الجمع المضاف يفيد العموم ، ولازمه النهي عن ارتكاب الشرور والمساوئ ؛ فإنّ مزاوله « 1 » كان كمظهر عيوبه ، والعاقل لم يفعل ما يفضحه .
الكلمة السابعة والسبعون ، قوله عليه السلام : بِالبِرِّ يُسْتَعْبَدُ الحُرُّ
« الباء » يحتمل الاستعانة ، والظاهر السببيّة ؛ و « البرّ » بكسر الباء الإحسان ، واللام في الموضعين للاستغراق ، أي : بسبب الإحسان تجعل الأحرار عبيداً ، بمعنى أنّك إذا أحسنت إلى كلّ واحد من آحاد الناس بالإحسان اللائق به - سواء كان هذا الإحسان باللسان أو بالجوارح ، بالسعي في الحوائج أو غير ذلك - كأنّك جعلته عبدك في امتثال أوامرك ، متيّماً في حبّك وحبّ من أحبّك ، ومصرّاً في عداوة من عاداك .
والمقصود : التنبيه على فضيلة صفة الإحسان وبيان فائدتها ؛ فإنّها في الدنيا سبب استعباد الأحرار وفي الآخرة تجعلك من الأبرار والأخيار ، وإنّ
« الْأَبْرارِ لَفِي عِلِّيِّينَ »
« 2 » .
فكأنّه خبرٌ في معنى الإنشاء ، أو الجملة الإنشائيّة محذوفة والتقديرُ : أحسن ؛ لأنّ بالإحسان تَجعل من عبيدك أفراد الإنسان ، فإيّاك لهذه الصفة والنسيان ؛ بل ينبغي أن تجعلها ملكة من ملكات الجنان ، وعوذةً لتسخير الإنس والجانّ ، بإذن اللَّه الملك المنّان .
الكلمة الثامنة والسبعون ، قوله عليه السلام : بَشِّر مالَ البَخِيلِ بِحادِثٍ أَو وارِثٍ
« بشّر » كفرّح : فعل أمر من البشارة ، وهي الإخبار بما يُظهِر السرور في البشرة أي :
الوجه ، خلاف الإنذار ، وهاهنا استعمل الأوّل في مقام الثاني على طريقة الاستعارة التبعيّة التهكميّة .
هامش
( 1 ) . مزاول در أصل لغت كسى را گويند كه در امرى از أمور فرو رفته باشد ، يعنى أكثر أوقات ، كار أو كردن آنباشد . منه عفي عنه .
( 2 ) . المطفّفين ، الآية 18 ؛ والآية هكذا :« كَلَّا إِنَّ كِتابَ الْأَبْرارِ لَفِي عِلِّيِّينَ ».