والمعنى : أنّ من أراد الوصول إلى الدرجة العليا من الشرف فليؤمن ؛ فإنّ فيه فوز الدنيا والآخرة . وفيه إيماء إلى أنّ المؤمن عزيز تحرم إهانته ، ويجب تعظيمه وأداء حقوقه ومراعاة الأدب لديه ، وفي حديث : المسلم من سلم المسلمون من يده ولسانه « 1 » .
وقال البيانيّون : هو كناية عن كفّ الأذى ، وتخصيصِ اليد واللسان ؛ لأنّ أكثر الإيذاء يصدر منهما .
أقول : للإيمان علامات ، وأكملها هذا ؛ تدبّر .
الكلمة الثالثة والعشرون ، قوله عليه السلام : لا سَودد مع انتقامٍ
« السَودد » بفتح السين كالجورب : المرتبة والجاه والرئاسة ؛ و « الانتقام » هو المؤاخذة على مساوئ الأفعال .
وحاصله : أنّ من ارتطم في ورطة المنازعة والمخاصمة ، يذهب عنه الوقار والعزّة والبهاء ، الّتي هي أساس الجاه والرئاسة ، فتزول ؛ لأنّ البيت إذا قلعت أساطينه لم يبق قائماً ، فإن كنت مراعياً لبيت العزّة والشرف فعليك بالتغافل عن الأفعال السيّئة الصادرة عن أعدائك ؛ فإنّه يُكمِل الوقار والتمكين ، ويؤول الأمر إلى حيث ينقاد لك الخصماء جميعاً ، فحصلت الرئاسة التامّة لك .
وممّا يدلّ على أنّ الإحسان إلى الخصم يورث المحبّة في قلبه ، قوله تعالى :
« ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَداوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ »
« 2 » .
هامش
( 1 ) . بحارالأنوار ، ج 32 ، ص 9 ، ح 2 .
( 2 ) . فصلّت ، الآية 34 .