إليه لظهور حاله بالصلاح والزهد ، ويظهر لك ذلك من أحوال الأخبار التي وضعها هؤلاء في الوعظ والزهد . وضمّنوها أخباراً عنهم ، ونسبوا إليهم أفعالًا وأحوالًا خارقةً للعادة ، وكراماتٍ لم يتّفق مثلها لُاولي العزم من الرسل ، بحيث يقطع العقل بكونها موضوعة وإن كانت كرامات الأولياء ممكنة في نفسها » . هذا محصَّل كلامه ، ولقد أجاد رحمه الله .
ثمّ نهضت الجهابذة من العلماء - طيّب اللَّه تربتهم - إلى تحقيق الحقّ ورفع الباطل ، فالتقطوا الموضوعات التقاط الحبّة ، حتّى قال بعض العلماء : « لم تبق رواية موضوعة ؛ لأنّ العلماء قد كدّوا أبدانهم ، وذابوا أجسادهم ، وصرفوا أوقاتهم طول أعمارهم في تصحيحها وتنقيحها ، حتّى بلغ الأمر إلى ما بلغ » « 1 » . ومع ذلك يقف الخرّيت الماهر على بقايا من هذه ، وأكثر ما يوجد من هذي الشذاذ في الكتب الموضوعة في غير الأحكام ؛ إذ العناية بها أتمّ وأقوى من غيرها ، ولاسيّما كتب الدعوات والأذكار ؛ فإنّها مظنّة ذلك ، كما يُومئ إليه المحقّق ابن إدريس في السرائر ، حيث ردّ الخبر معلِّلًا بأنّه لا يوجد في كتب الفتوى ، وإنّما هو في كتب الدعوات ، فردُّ العلّامةِ وطعنُه عليه - بأنّه لا فرق بين كتب الدعوات وغيرها - ليس في محلّه ، مع أنّ لعدم اعتبار الرواية الموجودة في كتب الدعوات وجهاً غير ذلك ، وليس هنا محلّ ذكره والتعرض له .
الثامن : المضمر ، وهو ما اسند إلى مجهولٍ ظاهِرُه المعصوم ، ك « سألته » و « قلت له » و « قال » ونحوها ، ولهذه الحيثية دخلَتِ الروايةُ في جنس الضعاف ؛ للجهل بالمسؤول عنه والقائل . وليُعلمْ أنّ الشرط في اتّصاف الرواية بالإضمار والقدح فيه أن لا تكون ناشئة من تقطيع الأخبار وإفراد بعضها عن بعضٍ ، وإلّا فلا تُقدح في الرواية . والظاهر أنّ كثيراً من المضمرات في حكم الموصولات بل عينه ؛ لأنّ
هامش
( 1 ) . ورد بهذا المعنى لا بلفظه في الحدائق الناظرة ، ج 1 ، ص 9 ، المقدمة الأولى .