ثراهم الذي يشهد به اختلافهم في تصحيح بعض الروايات والخطأ ليس بمأمون عليهم ، ومع قيام ذلك الاحتمال لا تحصل قوة الظنّ إلّا بعد فحصه وبذل الوسع في التحرّي عن حال الرواة وسائر الأمارات .
وناهيك في هذا الباب ما وقع في وصيّة الفاضل في آخر شرح القواعد إلى علماء الدين وإخوانه المجتهدين قال رحمه الله في جملة كلام له : « ولايستندوا في تصحيح الطرق والتضعيف - والترجيح لبعضها عن بعض والتضعيف - إلى ما يوجد في بعض كتب الفروع من غير سبر السند برجاله والبحث عن كلّ رجل وحقيقة حاله ، فإنّه إهمال وعن الحق إغفال » 16 .
وقال الشهيد رحمه الله في شرح البداية في الباب الثاني في من تقبل روايته ومن يردّ - بعد كلام - : « نعم يجب على المتكلّم في ذلك التثبّت في نظره وجرحه ، لئلّا يقدح في بريء غير مجروح بما ظنّه جرحا فيجرح سليما ويسم بريئا بسمة سوء تبقي عليه الدهر عارها ، فقد أخطأ في ذلك غير واحد فطعنوا في أكابر من الرواة استنادا إلى طعن ورد فيهم له محمل ، أو لا يثبت عنهم بطريق صحيح .
ومن أراد الوقوف على حقيقة الحال فليطالع كتاب الكشّي رحمه الله في الرجال .
وقد كفانا السلف الصالح من العلماء بهذا الشأن مؤونة الجرح والتعديل غالبا في كتبهم التي صنّفوها في الضعفاء كابن الغضائري ، أو فيهما معا كالنجاشي والشيخ أبي جعفر الطوسي والسيد جمال الدين أحمد بن طاوس والعلّامة جمال الدين المطهّر الحلّي والشيخ تقي بن داود ، وغيرهم .
ولكن ينبغي للماهر في هذه الصناعة ، ومن وهبه الله تعالى أحسن بضاعة ، تدبّر ما ذكروه ومراعاة ما قرّروه ، فلعلّه يظفر بكثير ممّا أهملوه ، ويطّلع على توجيه في المدح والقدح قد أغفلوه ، كما اطّلعنا عليه كثيرا ، ونبّهنا عليه في مواضع كثيرة وضعنا ها على كتب القوم خصوصا مع تعارض الأخبار في الجرح والقدح ، فإنّه وقع لكثير من أكابر
هامش
16 . كشف اللثام ، ج 2 ، ص 355