تحدّ أنفسها لتحدّدها في أنفسها ومحصوريتها في حدّ ذاتها ، فذاتها من حيث ذاتها محدّدة لذاتها ومحصرة لأنفسها ، فلا يمكنها الخروج عن حدّ ذاتها ، فذاتها محصورة ومحدودة . فكيف يدرك المحصور والمحدود غير المحصور والمحدود وهو الله ، فمن عرف نفسه بأنّها محصورة ومحدودة وهي لا يمكنها أن تدرك ربّه فقد عرف ربّه حينئذ ، فافهم راشدا مهديّا .
وأيضا إنّ النفس في عالم تجردّه لها إنّيّة ، فمن عرف نفسه وإنّيّته فيه وعرف إخراجه عن إنّيّته بالقهر والجبر فيه ، فيعرف أنّ له هاهنا أيضا إنّيّة ، فلزم له أن يكون في معالجته بالإطاعة لأمر الله ونهيه والخوف منه تعالى فيهما . فإذا صار إلى فكر معالجته بالخوف من اللّه ، فحينئذ تصير معرفة النفس موجبا لمعرفة الربّ ، وموجبا لإطاعته تعالى ، وموجبا للخوف منه دائما ، فذلك معنى قوله - عليه السلام - « من عرف نفسه فقد عرف ربّه » .
وأمّا إنّيّة النفس وإزالتها في عالم التجرّد ، فهو ما روي « أنّ اللّه تعالى لمّا خلق النّفس ناداها : من أنا ؟ فقالت النّفس : من أنا ؟ فألقاها في بحر الجوع الباطن حتّى وصلت إلى الألف المبسوط وخلصت من رذائل دعوى الإنّيّة ورجعت إلى نشأتها ، ثمّ ناداها : من أنا ؟ فقالت : أنت اللّه الواحد القهّار » 11 ولهذا قال : « اقتلوا أنفسكم فإنّها لا تدرك مقاماتها إلّا بالقهر » 12 الحديث .
فبالجملة إن عرف نفسه أنّها مقهور ومغلوب بالله ، عرف أنّه تعالى غالب لها وقاهر لها ، فمن عرف نفسه بصفة المقهوريّة والمغلوبيّة ، وعرف ربّه بصفة الغالبيّة والقاهريّة ، فذلك معرفة ربّه بعد معرفة نفسه بالعجز . وذلك معنى قوله - عليه السلام - : « من عرف نفسه فقد عرف ربّه » أي من عرف نفسه بالمقهوريّة عرف ربّه بالقاهريّة ، ومن عرف نفسه بالمغلوبيّة فقد عرف ربّه بالغالبيّة ، ومن عرف نفسه بالإنّيّة يخاف ربّه دائما في رفع إنّيّة نفسه ، فيعرف الله تعالى به ولا يغفل عنه أبدا ، بل يعرفه تعالى في كلّ أحواله حاضرا
هامش
11 . مشارق أنواراليقين ص 16 ، الحافظ رجب البرسي ( قرن هشتم ) .
12 . مشارق أنواراليقين ، ص 16