ويفرح . فيعرف من ذلك الحسن والقبح ، ويعرف من ذلك أنّ فعل الحسن حسن وفعل القبيح قبيح ، فيجتنب عن فعل القبيح ، ويحكم أنّ الحريّ للعاقل أن لا يفعل القبيح . فيعلم من ذلك أنّ الخالق الواجب المطلق لا يفعل القبيح ومن جملته الظلم فلا يفعله أيضا ، فيعرف ربّه حينئذ أنّه لا يفعل القبيح ولا يفعل الظلم ، وذلك قوله - عليه السلام - « من عرف نفسه فقد عرف ربّه » بأنّه لا يفعل القبيح ولا يظلم ، فافهم .
الخامس : أنّه « من عرف نفسه » بأنّها ذات مراتب عديدة وأنحاء كثيرة [ هي ] الأنحاء السبعة ، وهي : النّفس الأمّارة ، والنّفس اللوّامة ، والنّفس المطمئنّة ، والنّفس الملهمة ، والنّفس المرضيّة ، والنّفس الراضية ، والنّفس الكاملة ؛ يعرف أنّ لكلّ واحد منها آثارا ومقتضيات مختلفة بعضها مهلكة وبعضها منجية ، فحينئذ يكون مضطرّا وملجأ أن يلتجئ إلى من خلقها وأقرّها فيه وسلّطها عليه . فحينئذ يرى نفسه غالبا عليه ، فحينئذ صار ملتجئا إلى ربّه بنهاية الالتجاء في جميع الحال ويستعينه في كلّ حالاته ، وذلك كمال المعرفة بها لربّه ، وذلك قوله - عليه السلام - « من عرف نفسه فقد عرف ربّه » .
وأمّا كون النفس مصيّرا للإنسان إلى الهلكة والسوء فهوقوله تعالى «
إِنَّ النَّفْسَ لَأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ
إلّامارحم ربّي » 9 والاستثناء مفيد للالتجاء إلى حضرة ربّه ، فبالجملة أنّ التعدّد الثابت للنفس مشعه بحدوثه وإمكانه ومشعر بكونه محدودا ومعدودا ومحصورا . وبديهيّ أنّ الحادث والممكن والمحدود والمعدود والمحصور لا يكون واجبا بالذات وواجب الوجود ، بل يكون واجبا بالغير ومحتاجا إلى الغير ، فحينئذ النفس من حيث هي نفس محصورة في ذاتها ، فمن عرف نفسه بكونها محصورة ومحدودة بالحدّ والحصر ، وعرف عدم خروجها عن التحدّد والحصر ، عرف ربّه أنّه لايتصّف بهذه الصفات ، فلذلك قال - عليه السلام - : « من عرف نفسه فقد عرف ربّه » وإلى ذلك أشار - عليه السلام - بقوله « تحدّ الأدوات أنفسها وتشير الآلات إلى نظائرها » 10 أي الأدوات والآلات نفسها من حيث هي
هامش
9 . يوسف / 53
10 . نهج البلا غه ، ج 2 ، ص 119 ، خطبه 186 ؛ التوحيد ، ص 38 ، تحف العقول ، ص 66 ؛ الاحتجاج ، ج 1 ، ص 229 وج 2 ، ص 177 ؛ بحارالأنوار ، ج 4 ، ص 230 وص 242 وص 254 وج 77 ، ص 311