خلقهم غرض معتدّ به وهو معرفته والعبادة له والذّلّ والخضوع لديه ، وهو قوله «
وَما خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ
» 17 أي ليعرفون . وبديهيّ أنّ طرق العبادة لاعلم لنا بها جدّا ، فلزم حينئذ مبيّن يبيّن لنا تلك الطّرق كلّا وجزءا أصولا وفروعا ، وذلك لا يمكنه تعالى لذاته فلزم إرسال الرسل وإنزال الكتب ونصب الأولياء والأوصياء إلى انقراض العالم .
ثمّ إنّك إذا عرفت ذلك تعرف أنّ في معرفة النفس معرفة جميع ما ذكر ، ففي قوله - عليه السلام - : « من عرف نفسه فقد عرف ربّه » جميع الأ صول والفروع ، وجميع الأحكام الدّنيويّة والأ خرويّة ، وجميع الأحكام الرّبوبيّة والعبوديّة ، فتدبّر ولا تغفل . فالعلم نقطة إذا شرحتها كثّرتها إلى ما لا نهاية له ، فأصل العلوم هي النّقطة وهي المعبّر عنها بعليّ الوليّ للنبيّ الهاشميّ - صلوات الله عليه وآله - فافهم .
الحادي عشر : أنّ من عرف نفسه أنّها من شعاع النفس الكلّية ، يعرف ربّه أي مربّي نفسه وهو النبيّ والولي ومن يربيّهما وهو خالقهما الأقدس ، ففي معرفة النفس معرفة الربّ ومعرفة النّبيّ ومعرفة الوليّ ؛ لأنّ الرّبّ يطلق على الرّبّ الحقيقيّ الواجب ، وعلى الرّبّ الظّاهريّ الممكن وهو النّبيّ والوليّ ، فإنّهما يربّيان جميع المكلّفين ؛ لأنّهما الأبوان الرّوحانيّان كما قال النّبيّ : « أنا وأنت يا علىّ أبوا هذه الأ مّة » 18 أي الأب الرّوحانيّ لا الجسمانيّ ، فافهم .
فالنّبيّ والوليّ هما النّفس الكلّية من شعاعها سائر الّنفوس ، وبديهيّ أنّ مربّي الشعاع هو ذوالشّعاع ، ومربّي النّور هو المنير ، ومربّي المنير هو اللّه تعالى ، فهو تعالى يربّي النّور والمنير كليهما ، لكن يربّي النور بالمنير وبواسطته وبسببه ؛ لقوله « يأ بي اللّه أن يجرى الأشياء إلّا بالأسباب » 19 فالنّبي والوليّ كما أنّهما النّفس الكّلّية والنفوس منشعبة من نفوسهما ، كذلك
هامش
17 . الذاريات 56 /
18 . علل الشرايع ، ج 1 ، ص 127 ؛ تفسير نورالثقلين ، ج 4 ، ص 238 ؛ روضةالواعظين ، ص 322 ؛ بشارةالمصطفى ، ص 55 . با تفاوتى اندك .
19 . بصائرالدرجات ص 6 ، حديث 1 و 2 به اين صورت از امام صادق آمده است : أبى اللّه أن يجرى الأشياء إلّا بالأسباب فجعل لكل شيء سببا . . . .
بصائرالدرجات ، ص 505 ، حديث 2 ؛ مختصر بصائرالدرجات ، ص 57 ؛ بحارالأنوار : ج 2 ، ص 90 ، حديث 14 و 15