فأجابه وأجابها المترجم المغفور له ، بمنظومة مبسوطة رشيقة تشتمل على مئة وثلاثة عشر بيتاً من الشعر البليغ وهى قطعة غراء غالية استقبل المترجم المغفور له بها المنظومة الواردة بوزنها وقافيتها ، تنبيهاً عليه بالمطلب والأدب ولعل منظومته هي أعذب وأرقى منها من حيثُ الأدبية أيضاً ، لا من حيثُ الماهية فقط ، فللّه دره وعليه احسانه وبره وهى هذه .
أطعت الهوى فيهم وعاصانى الصبر * فها أنا مالي فيه نهي ولا أمر
أنست بهم سهل القفار ووعرها * فما راعني منهنّ سهل ولا وعر
أخا سفر ولهان اغتنم السرى * من الليل تغليسا إذا عرّس السفر
بذاملة ما أنكرت ألم الوجى * وما صدّها عن قصدها مهمة فقر
يضييق بها صدر القضا فكأنها * بصدر مذيع عيّ عن كتمه السرّ
تحن إذا ذكّرتها بديارهم * حنين مشوق هاج لوعته الذكر
وشملالة أعديتها بصبابتي * إذا هاجها شوق الديار فلا نكر
أروح وقلبي للواعج والجوى * مباح وأجفاني عليها الكرى حجر
وأحمل أوزار الغرام وإنه « 1 » * غرام به ينحطّ عن كاهلي الوزر
وكم لذّلي خلع العذار وإن يكن * بحبي آل المصطفى فهو لي عذر
علقت بهم طفلًا فكانت تمائمي * مودتهم لا مايقلده النحر
ومازج درّي حبهم يوم ساغ لي * ولولا مزاج الحبّ ما ساغ لي درّ
نعمت بحبهم « 2 » ولكن بليتى * ببينهم والبين مطعمه مرّ
ونائين تدنيهم الىّ صبابتى * فعن ناظرى غابوا وفي خاطري قرى « 3 »
فمن نازح قد غيب الرمس شخصه * ومن غائب قد حال من دونه الستر
أطال زمان البين والصبر خانني * وما يصنع الولهان إن خانه الصبر
إلى مَ وكم تنكي بقلبي جراحة * من البين لا يأتي على قعرها سبر
هامش
( 1 ) في شعراء الغري : « كأنّه » بدل « وإنّه » .
( 2 ) في شعراء الغري : « بحبيهم » .
( 3 ) في شعراء الغري : « فعن أعيني غابوا وفي كبدي قروا » .