اللَّه . فكان يجيئ أوّل النهار إلى الحضرة المقدّسة فيزور زيارة خفيفة ، ثمّ يخرج ويجلس في إيوان بعض الحجرات المتّصلة بالباب الشرقي على يمين الوارد إلى الصحن الشريف العلوي ، فيجتمع عليه عملة الأمور الّذين عيّنهم لُامور الناس من التجهيز والتكفين والتغسيل والتدفين والطواف وغيرها ، فيرسل كلًا منهم إلى مشاغلهم المعيّنة وعيّن لنفسه الشريفة الصلاة على الجنائز وكان أوّل مجيئه قد اصطفّ الجنائز بين يديه من عشرين إلى ثلاثين وقد بلغ عددهم للصلاة في يومٍ واحدٍ إلى ألف نفس ، فيصلّي عليهم مراعياً فيها جميع السنين والمستحبات الجزئية وقبل فراغه من الصلاة على صفٍّ منهم يؤتى بطائفة أخرى كذلك ، فإذا رفع الصفّ الأول وضع مكانه مثله وهو واقف على قدميه ويشتغل بالصلاة كذلك إلى الزوال وإذا شاهد التهاون من أحدٍ في رفع جنازة ، وضع ردائه على كتفه ورفعها بنفسه وإذا صار الزوال دخل حجرة للتغدّى وينوب عنه وقتئذٍ السيد علي العاملي النجفي ثمّ يخرج ويشتغل بالصلاة إلى الغروب كذلك .
وإذا أرخى الليل سدوله كان قدس سره يتجسّس خلال الحجرات كي لا يبقى جنازة في الليل غير مدفونة .
وكان يُجبى إليه في هذا الشطر من الزمان مال كثير من الوصايا وغيرها ومن وجوه استيجار العبادات ونحوها وكان يصرفها في مواردها اللائقة بحيثُ لا يضع منها ديناراً في غير مورده مع ما كان عليه من استغراق أوقاته وأظنّ أنّه لا يكاد يرتاب المتأمّل المنصف أنّ مثل هذا قوة النفس والاستعداد والتحمّل لا يتمشى من انسان عادي إلّابروحٍ إلهي وتأييد غيبيّ وقوّة صمدانيّة .
ومن عجيب ما ينبغي ذكره في المقام : ما رواه المحدّث النوري عن الثقة الجليل السيّد مرتضى النجفي أنّه قال : كنت واقفاً بجنب المترجم يوماً من تلك الأيام فإذاً برجلٍ شاب عجمي من خيار المجاورين واقف خلف الجماعة ينظر إلى السيّد ويبكى فكأنّه يريد حاجة ، فالتفت إليه المترجم وقال لي : أذهب إليه وأسأل عن أمره .
فدنوتُ ، منه وسألتُ عن أمره .
فقال : إنّي أحبّ إنْ أدركني الأجل في تلك الأيام أن يصلّي عليّ حضرة السيد منفرداً .
مرآة الشرق ( موسوعة أعلام الشيعة الإمامية في القرني الثالث عشر والرابع عشر ) — صفحة 258
مساهمون: محمد أمين الإمامي الخوئي
ص٢٥٨