فلمّا رأى ذلك دخل الكوفة ، فصعد المنبر ، فقال : للّه أنتم ! ما أنتم إلّا أسد الشرى في الدعة ، وثعالب روّاغة ، ما أنتم بركن يصال به ، ولا زوافر عز يفتقر إليها ، أيّها المجتمعة أبدانهم ، والمختلفة أهواؤهم ، ما عزّت دعوة من دعاكم ، ولا استراح قلب من قاساكم ، مع أيّ إمام بعدي تقاتلون ، وأيّ دار بعد داركم تمنعون ، فكان في آخر حربه أشد أسفا وغيظا ، وقد خذله الناس .
حفظه عليه السّلام
قال : فما الحفظ ؟ قال : هو الذي تسمّيه العرب العقل ، لم يخبره رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله وسلّم بشيء قطّ الا حفظه ، ولا نزل عليه شيء قطّ إلّا وعى به ، ولا نزل من أعاجيب السماء شيء قطّ إلى الأرض إلّا سأل عنه ، حتّى نزل فيه
وَتَعِيَها أُذُنٌ واعِيَةٌ
[ الحاقة : 11 ] واتى يوما باب النبي صلّى اللّه عليه وآله وسلّم وملائكته يسلّمون عليه وهو واقف حتّى فرغوا ، ثمّ دخل على النبي صلّى اللّه عليه وآله وسلّم فقال له : يا رسول اللّه سلّم عليك أربعمئة ملك ونيف ، قال صلّى اللّه عليه وآله وسلّم : وما يدريك ؟ قال : حفظت لغاتهم ، فلم يسلّم عليك ملك إلّا بلغة غير لغة صاحبه .
فصاحته عليه السّلام
وثب الناس إليه ، فقالوا : يا أمير المؤمنين ما سمعنا أحدا قطّ أفصح منك ولا أعرب كلاما منك ، قال عليه السّلام : وما يمنعني وأنا مولدي بمكّة .
حكمته عليه السّلام
ثمّ الحكمة واستخراج الكلمة بالفطنة التي لم يسمعوها من أحد قطّ بالبلاغة في الموعظة ، فكان ممّا حفظ من حكمته وصف رجلا أن قال : ينهى ولا ينتهي ، ويأمر الناس بما لا يأتي ، ويبتغي الازدياد فيما بقي ، ويضيع ما أوتي ، يحبّ