فلمّا عرف الناس أنّه لا فضل لبعضهم على بعض إلّا بالتقوى عند اللّه ، أتى طلحة والزبير عمّار بن ياسر وأبا الهيثم ابن التيّهان ، فقالا : يا ابا اليقظان إستاذن لنا على صاحبك ، قال : وعلى صاحبي إذن ، قد أخذ بيد أجيره وأخذ مكتله ومسحاته ، وذهب يعمل في نخلة في بئر الملك ، وكانت بئر ينبع سمّيت بئر الملك ، فاستخرجها علي بن أبي طالب عليه السّلام وغرس عليها النخل ، فهذا من عدله في الرعيّة وقسمه بالسويّة .
طعامه عليه السّلام
قال ابن دأب : قلنا فما أدنى طعام الرعيّة ؟ فقال : يحدّث الناس أنّه كان يطعم الخبز واللحم ، ويأكل الشعير والزيت ، ويختم طعامه مخافة أن يزاد فيه .
وسمع مقلى في بيته ، فنهض وهو يقول : في ذمّة علي بن أبي طالب مقلى الكراكر ، قال : ففزع عياله ، وقالوا : يا أمير المؤمنين إنها امرأتك فلانة نحرت جزورا في حيّها ، فاخذ لها نصيب منها فأهدى أهلها إليها . قال : فكلوا هنيئا مريئا .
قال فيقال : إنّه لم يشتك ألما إلّا شكوى الموت ، وإنّما خاف أن يكون هديّة من بعض الرعيّة ، وقبول الهديّة لوالي المسلمين خيانة للمسلمين .
صرامته عليه السّلام
قال قيل : فالصرامة ؟ قال انصرف عليه السّلام من حربه فعسكر في النخيلة ، وانصرف الناس إلى منازلهم واستأذنوه ، فقالوا : يا أمير المؤمنين ، كلّت سيوفنا ، ونصلت أسنّة رماحنا ، فأذن لنا ننصرف فنعيد بأحسن من عدّتنا ، وأقام هو بالنخيلة ، وقال : إنّ صاحب الحرب الأرق الذي لا يتوجّد من سهر ليله وظمأ نهاره ، ولا فقد نسائه وأولاده ، فلا الذي انصرف فعاد فرجع إليه ، ولا الذي أقام فثبت معه في عسكره أقام .