إنّ هذه المعاني لكلمة نعثل لم تغرب عن بال أمّ المؤمنين ذات العارضة القويّة ، وإنّما رمته بها بعد أن استمدّت من فصاحتها وبلاغتها فرمته من قوارصها بمقذعة أصابته في الصميم ، وبقيت وصمة عليه ، وذهبت في الدهر مثلا ، وجرت بعد قولها على لسان أعدائه حتّى بعد حياته ، فقد جاء في أبيات للأعور الشنّي « 1 » :
برئت إلى الرحمن من دين نعثل * ودين ابن صخر أيّها الرجلان
وقال محمّد بن أبي سبرة بن أبي زهير القرشيّ « 2 » :
نحن قتلنا نعثلا بالسيرة * إذ صدّ عن أعلامنا المنيرة
ولمّا نادى ابن العاص يوم صفين بأبيات قال فيها :
( ردّوا علينا شيخنا كما كان )
فأجابه أهل العراق :
أبت سيوف مذحج وهمدان * بأن تردّ نعثلا كما كان
ثمّ نادى عمرو بن العاص ثانية : ( ردّوا علينا شيخنا ثمّ بجل ) .
فردّ عليه أهل العراق : ( كيف نردّ نعثلا وقد قحل ) « 3 » .
أفتت أمّ المؤمنين بقتل الخليفة ، وإذا كان هناك امل ضئيل - قبل هذه الفتيا - في الاصلاح بين المسلمين والخليفة ؛ يقوم به عليّ أو غيره ، فقد وقعت الواقعة بعد صدور هذه الفتوى الصريحة ، وانطلاقها من فم أمّ المؤمنين ، وقضي الأمر .
وذلك لما بلغته أمّ المؤمنين منذ عهد الخليفتين من مكانة مرموقة بين المسلمين بما كانا يعظّمانها في كلّ شيء ويرجعان إليها في الفتيا ، وزاد في تأثير
هامش
( 1 ) - أنساب الأشراف 5 / 105 .
( 2 ) - صفين ، لنصر بن مزاحم ص 436 .
( 3 ) - صفّين لنصر بن مزاحم 256 و 257 و 454 ، وشرح ابن أبي الحديد 1 / 482 وثمّ بجل أي ثمّ حسب . وقد قحل أي قد يبس .