لكانت على جميع الألسنة في بلاد الفرنسيس والإنجليز والالمان ، ولكنها وا أسفاه من نظم شاعر يجهله أكثر العرب وينكره بعض أهله في العراق .
أنا لا أقول بأن الشريف ابتكر جميع معانيه ، فلأكثرها أصول عند أسلافه من الشعراء ، ولكني مع ذلك أقول بأن جميع معانيه من المبتكرات لأنه يحسها بأقوى وأعنف ما تتصورون من الاحساس ، وقد دعوتكم من قبل إلى مراجعة كتاب النثر الفني لتروا كلمة الحق والصدق في المبتذل والطريف ، ولتعرفوا أني في إنصاف هذا الشاعر لم أكن من العابثين .
وهل أستطيع مرة ثالثة أن أدلكم على الحسن في هذين البيتين :
أين الوجوه أحبها * وأودّ لو أني فداها
أمسى لها متفقدا * في العائدين ولا أراها
إن المعنى فيهما مأخوذ من قول بعض الشعراء .
ما أقبح الناس في عيني وأسمجهم * إذا نظرت فلم أبصرك في الناس
ولكن الصورة مختلفة كل الاختلاف .
وأنا أيها السادة أقدر منكم على تجريح الشعراء ، لأني قضيت عشرين سنة أو تزيد في تعقب الألفاظ النثرية ، والاخيلة الشعرية ، وأستطيع أن أهجم على شاعر مثل المتنبي فأثبت أن معانيه كلها من الحديث المعاد ، ولكني لو فعلت لكنت من الظالمين ، لأني أعرف أن المتنبي أحس معاني شعره أصدق إحساس ، وأومن بأنه لم يكن يغير على معاني سواه ، وإنما كان يفترع المعاني افتراعا ، وإن أنس بها من قبله كثير من الشعراء .
عبقرية الشريف الرضي — صفحة 155
مساهمون: زكي مبارك
ص١٥٥