ذلك اللفظ الذي لم يظهر إلى اليوم حقيقة معناه على الوجه الذي يذهبون إليه ، ولا نفهم كعامّة أهل اللسان من قوله ( تعالى ) :
« وَما أَصابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِما كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ »
« 1 » وأمثالها إلّاالمعنى الجلي الظاهر ، وهو : ما فعله الإنسان وحصّله بإرادته ومباشرته . وهم يريدون من الكسب سوى ذلك .
وعلى أيٍّ ، فليس الغرض هنا الخوض في هذه الغمرة بعدما خضنا لُجّتها وكشفنا غُمّتها في أُخريات الجزء الأوّل من هذا الكتاب « 2 » ، وأقمنا البراهين الجليّة التي لا تُدفع على أنّ الأفعال كلّها من فعل العباد بإقدار اللَّه للعبد على الفعل والترك ، وباختياره يترجّح أحدهما على الآخر ، وبذلك يصحّ اتّصاف الإنسان بالقدرة .
ويتّسع لنا القول بمثل هذا في سائر الفواعل الطبيعية سوى أنّها فواعل قسرية لا إرادية .
ونعود إلى استيفاء البحث بنقل كلام ( ابن رشد ) الذي ناقض به فلسفة ( الغزالي ) ، وهدّ بحديد أفكاره دعائمها ، فإنّه قد أصاب المحزّ وطبّق المفصل « 3 » وإن كان لا يخلو من بعض المؤاخذات عليه ، ولكنّها غير ضائرة بجوهر غرضه .
فمن بعض كلامه في : ( تهافت التهافت ) بحرفه :
( أمّا إنكار وجوب الأسباب الفاعلة التي تشاهد في المحسوسات فقولٌ سفسطائي .
والمتكلّم بذلك إمّا جاحد بلسانه لما في جنانه ، وإمّا منقاد لشبهة
هامش
( 1 ) سورة الشورى 42 : 30 .
( 2 ) راجع ج 1 ص 364 وما بعدها وص 414 وما بعدها .
( 3 ) هذا تعبير يقال للرجل إذا أصاب الحجّة ، أو إذا كان بليغاً . ( لسان العرب 8 : 123 ) ، وعدّ من الأمثال في العقدالفريد 2 : 188 و 122 .