أترى لو أنّ رجلًا عذّب بعض دوابّه أو عبيده بأنواع العذاب من التنكيل والتمثيل وباءت منه بالعيش الوبيل « 1 » ، مع طاعتها له وانقيادها إليه ، وكان الرجل بين أُمّة وحشية وجماعة جاهلية لا تميل إلى ملّة ولا تنحو لنحلة ، أكانت تبسط له العذر في ذلك وتقول : لا يملك اللوم عليه أحد ، فإنّه مالك ؟ !
أنت واختيارك ، فالحكم إنصافك واعتبارك .
وبعد أن ثبت إدراك العقل للحسن والقبح ، فكلّ ما يدرك العقل قبحه لا محالة يستحيل عليه ( تعالى ) ، فثبت كونه عادلًا ؛ إذ لا نعني من العدل فيه ( جلّت آلاؤه ) إلّا : كون ما يصدر عنه من الأفعال غير منافر للعقل ولا يعدّه قبيحاً .
غاية ما هناك أنّ العقل لقصوره وضعفه يعجز عن إدراك مصالح أفعاله ( تعالى ) ، لا أنّه يقبّحها ويجدها منافرةً له .
والحقّ المحض وزبدة المخض : أنّ كون الظلم قبيحاً وكون القبيح محالًا عليه ( تعالى ) أمرٌ ضروريٌ ، مع ما عرفت من إقامة البرهان عليه .
على أنّي لا أظنّك ترضى أن تنسب لربّك ما لا ترضى به لنفسك إن كنت من أهل التكرّم والكمال وسداد الأفعال والأقوال ، فأدنى من له مسكة - ولو قاصرة - يجزم في شعوره ببطلان مقالة الأشاعرة .
ومن ذلك كلّه ظهر جليّاً أنّ الشريعة المقدّسة الإسلامية تقول : إنّه ( جلّ شأنه وعزّ سلطانه ) لا يحيف في قضائه ولا يجور في بلائه ، ولابدّ أن يثيب المطيعين وينتقم بقدر الذنب من العاصين ، ويكلّف الخلق بمقدورهم ويعاقبهم على تقصيرهم دون قصورهم ، ولا يكافي المطيع بالعقاب والعاصي بالثواب ، ولا
هامش
( 1 ) الوَبَلَة : الثِقل والوَخَامة ، والوبيل : الوخيم . ( صحاح اللغة 5 : 1839 ) .