تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الدين والإسلام أو الدعوة الإسلامية — صفحة 451

مساهمون:

ص٤٥١
على حين أنّه لو لم يضع هذه المرافق في تلك الدار لما أمكن الارتفاق بها والانتفاع فيها ، ولذهب عناؤه باطلًا وسعيه هدراً . فالمطبخ بالنظر إلى نفسه وإن كان حقيراً ، ولكنّه بالنظر إلى توقّف الانتفاع بالدار عليه ومسيس حاجتها إليه يعدّ لازماً كبيراً . وإذا نظرت إلى مجموع هيئة تلك الدار وجدت كلّاً بموقعه حسناً ، ولا يخطر على خلدك أنّ الغرفة أولى من الصُفّة ، ولا الإيوان أولى من غير مكان ، بل لكلٍّ في مقامه وموقعه مقام من الأهمية واللزوم والحاجة والاقتضاء يجعله في صفّ غيره وبإزاء ما سواه . نعم ، تفاوت الأفراد إنّما هو بالنظر إلى مقايسة بعضها إلى بعض . وأمّا بالنظر إلى المجموع فالورد كالشوك ، والجلمد كالعسجد ، والماء كالنار ، والنُضّار « 1 » كالأحجار :
وإذا نظرت الكائنات بأسرها * كلّاً بموقعه تراه جميلًا
وكما لا نعترض على المشوّهين في الخلقة أنّهم هلّا كانوا بحسن يوسف وصورة بلقيس ، ونعذر البشر في اختلاف الأشكال والصور بحيث لا يتشابه اثنان منهم شبهاً تامّاً ، فكذا يجدر بنا أن نعذرهم في اختلاف الغرائز والشمائل ، كاختلاف الأشكال والطبائع وسائر الأميال والأهواء ، ونعرف أنّ ذلك لأمر ذاتي في أصل فِطرهم وبدو تكوينهم ومزيج أسناخهم وأُصولهم ، وأنّ هذا الاختلاف لابدّ منه في حفظ النظام الأتمّ والوجود الأكمل . ولو تنازلنا إلى تسليم كونه جوراً في حقّ الفرد الخصوصي السافل - ولا
هامش
( 1 ) النضّار : الخالص من جوهر التبر والخشب . ( العين للفراهيدي 7 : 26 ) .