تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الدين والإسلام أو الدعوة الإسلامية — صفحة 438

مساهمون:

ص٤٣٨
ونُطف حياتنا ممّا هو معلوم للَّه ( جلّ شأنه ) بالفعل ومستودع فينا بالقوّة . وكيف تحصل ثمراتها وتبعاتها ما لم تنضجها الفواعل وتعمل فيها العوامل ؟ ! قال ( جلّ شأنه ) :
« وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ حَتَّى نَعْلَمَ الْمُجاهِدِينَ مِنْكُمْ وَالصَّابِرِينَ »
« 1 » وأمثالها ، أي : نعلمهم موصوفين بهذه الصفة بحيث يترتّب عليها الجزاء . وأمّا قبل ذلك الابتلاء فإنّه ( جلّ شأنه ) عَلمهم مستعدّين للمجاهدة والصبر صائرين إليها بعد حين ، والعلم لا يتبدّل ولا يتغيّر ، وإنّما التغيّر في المعلوم ، فتدبّر . نعم ، وإذا ضربت الفكر في أعماق قوله ( تعالى شأنه ) :
« أَ يَطْمَعُ كُلُّ امْرِئٍ مِنْهُمْ أَنْ يُدْخَلَ جَنَّةَ نَعِيمٍ * كَلَّا إِنَّا خَلَقْناهُمْ مِمَّا يَعْلَمُونَ »
« 2 » يظهر لك في التكاليف سرٌّ عظيم وفلسفة جليلة . والقصارى : أنّ التكاليف والعبودية رياضات سرّية ومعالجات قسرية ومطرقة تُمرّن عليها صلابة النفوس البشرية ، لا بل هي تربية إلهية مهيّئة لانتقالها إلى أسمى المقامات وأسنى الكرامات . تلك النطفة المنوية التي هي كأخسّ فضلات الإنسان كيف ترتقي إلى أن تصير عقلًا قادساً وجوهراً مجرّداً وروحاً مكرّماً وخلقاً شريفاً ؟ ! كيف تعرج من الدرك الأخسّ إلى مقامها الأقدس ، وتنتقل من تلك الخسّة والقذارة إلى عالم القدس والطهارة ؟ ! كيف تخرج من طور الجمادية إلى نشأة ملكوتية بدون التصفية والتهذيب
هامش
( 1 ) سورة محمّد 47 : 31 . ( 2 ) سورة المعارج 70 : 38 - 39 .