نحرير ، بل هو ممّا أفاضه المولى ( جلّ شأنه ) علينا من التدبّر في شرائع الكون ونواميس الخلق وتقديس الخالق عن الظلم والعبث مع بقاء تصرّفه في ملكه وتوحيده في سلطانه .
بيد أنّ ذلك ممّا كشفه التأمّل في حلّ الرموز وفتح الكنوز التي أشارت إليها وسائط الفيض ومعادن الحقائق ( سلام اللَّه عليهم ) ، ولا سيّما من تفاريق كلمات سيّد العارفين وإمام الموحّدين من قوله عليه السلام لمن سأله : أكان مسيرنا هذا إلى الشام بقضاءٍ وقدر ؟ فقال : « ويحك ! أظننت قضاءً لازماً وقدراً حاتماً ؟ ! ولو كان كذلك لبطل الثواب والعقاب ، وسقط الوعد والوعيد . . . » « 1 » ، إلى آخر تلك الفقر التي يفتقر إليها العارفون ويستنير بها السالكون ، إلى كثير من أخواتها في ( النهج ) وغيره .
وأنت خبير أنّه إنّما لا يكون الفعل قضاء حتم وإلزام ؛ لأنّ القدرة والاختيار قد توسّطا بين الفعل وفاعله في جميع الآثار .
وهذا هو الوجه الخالص من شوائب الجبر وماجرياته وتفاهة التفويض وشبهاته .
فاخمد ضرام أوهامك أيّها الجبري ! فالفعل ثابتٌ لك بإرادتك واختيارك وقدرتك عليه ومباشرتك له وقيامه بك أو صدوره عنك .
وسكّن جأشك أيّها القدري ! فإنّ الفعل مسلوب عنك من حيث أنت أنت ومع قطع النظر عن فيض علّتك :
« فَاسْتَقِيما وَلا تَتَّبِعانِّ سَبِيلَ الَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ »
« 2 » .
فهذا هو الصراط المستقيم والحدّ الوسط الذي طلبه الباحثون فما أصابوه ،
هامش
( 1 ) نهج البلاغة 481 . وورد : ( لعلّك ظننت ) بدل : ( أظننت ) ، ووردت زيادة : ( ذلك ) بعد : ( كان ) .
( 2 ) سورة يونس 10 : 89 .