خُلق له » « 1 » .
فتلك الأحوال والآثار هي التي أوجبت لنا أن نحكم بأنّ للإنسان قوّة غير القوى التي يشترك بها مع الحيوان ، سمّيناها : بالقوّة العاقلة ، والنفس الناطقة .
فمن ميّز بين ما به الشقاء والسعادة والنقص والزيادة ، فسعى في طلب هذا ورفض ذاك ، وشارك بل فاق على الأملاك ، فهذا هو الإنسان .
لكن لا تجده في أفراد من تسمّى به إلّاقليلًا ، كيف ! وأكثر من فيه كما يقول باريه :
« إِنْ هُمْ إِلَّا كَالْأَنْعامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ سَبِيلًا »
« 2 » .
وأراد ( جلّ شأنه ) بالإضراب والترقّي التلويح والإشارة إلى قوله ( تعالى ) :
« قَسَتْ قُلُوبُكُمْ مِنْ بَعْدِ ذلِكَ فَهِيَ كَالْحِجارَةِ »
« 3 » .
فذاك ما يستحقّ به المرء حقيقة الإنسانية ، لا ما سمعته زمان الصبا في الفنون الرسمية والعلوم الآلية من : أنّ الإنسان هو الذي يدرك الكلّيات ، إذ أيّ شرف بهذا ، وأيّ فائدة ، وأيّ دليل ، ومن أيّ سبيل يصحّ لنا الحكم بأنّ الحيوان غير موصل القوى الحسّية بهذه القوّة الزائدة ، لنحكم بتمايزهما من ذلك واختلاف نوعيهما ؟ !
وهل هذا إلّاخبطٌ في القول وخطلٌ « 4 » في الرأي ، تأباه الرصانة في العلوم والمتانة ؟ !
وهذه القوّة هي العقل الغريزي المطبوع الذي عرفت جملة من مباحثه في
هامش
( 1 ) لاحظ القضاء والقدر للبيهقي 122 و 124 .
( 2 ) سورة الفرقان 25 : 44 .
( 3 ) سورة البقرة 2 : 74 .
( 4 ) الخطل : الكلام الفاسد الكثير المضطرب . ( لسان العرب 4 : 144 ) .