تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الدين والإسلام أو الدعوة الإسلامية — صفحة 351

مساهمون:

ص٣٥١
نافعاً وما هو موجب لنقصانها مكمّلًا ، ألا ذاك من كثرة آفاتها وغلبة شهواتها . . ألا ذاك من انحرافها عن الاعتدال الطبيعي والصراط المستقيم المنصوب بين عينيها ، وميلها عن الاستقامة الفطرية التي فطرها المبدع عليها . . ألا ذاك من سوء اختيارها ، وسيّء اعتبارها ، وخسّة مقدارها ، وضعة همّتها ، وضعف تربيتها ! فوجب - نظراً إلى ذلك كلّه - أن يجعل لها ذلك المدبّر الذي أنشأها للصلاح لا للفساد ، وللأُلفة من مباديها لا للحياد ، وللرحمة لا للغضب ، وللنجاة لا للعطب ، وللرقي لا للانحطاط ، وللصحّة لا للأغلاط ، مسدّداً عاصماً ، وملكاً حاكماً ، وميزاناً عدلًا ، وحَكَماً فصلًا ، وقيداً لها عن السوء وعقالًا ، ومرشداً لها هداية وضلالًا ، فوهبها ذلك الصانع المقدّر والحكيم المدبّر تلك القوّة الكاملة التي نسمّيها : بالعاقلة ، ذات الآراء الفاضلة ، فإنّها هي التي تميّز للنفس بين النافع والضارّ ، والمصلح والمفسد ، والمضلّ والمرشد ، والداء والدواء ، والمرض والشفاء ، والسعادة والشقاء . لا أُريد بالنافع والضارّ ما يرجع إلى المآكل والمشارب من البارد أو الحارّ ، أو العقاقير والأدوية ، أو الاستلذاذ بالروائح الطيّبة واستكراه المؤذية ، والأُنس والطرب بترجيع النغمات ، والوحشة والتنفّر من أنكر الأصوات ، فإنّ جميع ذلك قد تكفّلت به الحواسّ وتساوت به مع الحيوان عامّة الناس ، وما هو بالذي به التفاوت والتفاضل والتعالي والتسافل والتأخّر والتقدّم والخسة والتكرّم ، بل أقصد وأُريد ما به الفضل والمزيد بين عامّة أفراد الإنسان ، وبه الامتياز بين نوعه وسائر أنواع الحيوان الذي اختصّ به البشر وانفرد واستأثر واستبدّ ، ولم يترك منه لأنواع جنسه حظّاً لا معنى ولا لفظاً ، تدبيرَ حكيم وتقديرَ عزيز عليم ، غير جائرٍ