لكن هل سمعت أو رأيت أنّ فرداً منه أو من غيره من الأنواع قد أحدث في ذلك الشكل صفة أُخرى ، أو وضعاً وجد أنّه أليق به من الوضع القديم وأحرى ؟ !
وهذا الإنسان - كما تراه - لا يبرح كادحاً طول عمره في السعي لإصلاح أمره . كلّ ذلك طلباً للكمال والسعادة والسعة والزيادة .
نعم ، بعضٌ سعى لسعادة حاله الحاضرة وأعرض عن تحصيل سعادة داره الآخرة التي هي دار قراره ومقام بقائه ومنزل خلوده في نعيمه أو شقائه .
وبعضٌ - وإليك اللهمّ نرغب في ذلك - قد أخذ من كلا الدارين حظّه وأجزل من كلتا السعادتين نصيبه ، أُولئك عباد اللَّه وصفوته ، وقليلٌ ما هم !
وصفوة القول : إنّا وجدنا حياة الوحش والطير والبهائم ، وهي في طمأنينة وهدوٍّ وسكون دائم ، وكأنّها في فراغ ، إلّامن أن تتسافح وتتناكح ، وتأكل وتشرب ، وتلهو وتلعب .
أمّا الإنسان ففي جولان وحركة دائبة ، ومساعٍ واصبة ، وأعمال ناصبة .
فلو تأمّلت في طول حياته حالته وجدته كهائم في الأرض يطلب ضالّته ، أو كصادٍ « 1 » يجول على الماء في القفار ليطفي حرّ الأُوار « 2 » .
تجد ذاك غريزة منه وطبعاً ، يكدح في السعي ولا يدري لأيّ شيء يسعى ؟ !
أنا أُنبّئك بالخبر اليقين واكشف لك عن السرّ المبين : إنّما يسعى طلباً لسعادته وكماله ، ورفع ما يجده من نقصه وسوء حاله ، و « كلٌّ ميسّرٌ لما
هامش
( 1 ) الصدى : العطش . ( صحاح اللغة 6 : 2399 ) .
( 2 ) الأُوار : حرارة العطش . ( المصدر السابق 2 : 583 ) .