لكلّ قوّة من القوى وحاسّة من الحواسّ ملائماً ومنافراً ، باطناً أو ظاهراً ، فعلًا من الأفعال أو عيناً من الأعيان ، جوهراً أو عرضاً ، مقدّمةً أو غرضاً .
وكلّ ذلك عائد إلى ملائمة ذات النفس ومنافرتها ؛ لما عرفت من أنّ الحواسّ والقوى مجارٍ وآلات لها وطرق إليها ، بل هي هي وأفعالها متعاكسة منها وإليها .
إلّاأنّ الحكيم الخبير جعل النفس الإنسانية ناقصة بحسب الفطرة ، مستعدّة للكمال في سعيها بحسب القوّة والقدرة ، سارية في صراط الحركة إمّا إلى الرقي أو الانحطاط على التوسّط أو الإفراط .
فمن ثمّة ألهمها فجورها وتقواها ؛ ليفلح من زكّاها ويشقى من دسّاها .
فحقيقة تلك الملائمات والمنافرات الراجعة إلى النفس إنّما هي كمالها أو فقدانها وتمامها أو نقصانها ، والشيء لا يطلب ولا يسعى إلّالكماله وتمامه ، ولا يهرب إلّامن نقصه وإعدامه ، فميل القوى إلى تلك الملائمات إنّما هو لكونها سعة للنفس وكمالات .
ألا تراك كيف تحبّ الثروة في الجاه والمال والأولاد ، وما الثروة - كما علمت في اللغة « 1 » والاستعمال - إلّاالزيادة والتوسعة .
فإذا كانت النفس لتوسعتها في علائقها الخارجية بهذا المقام من المحبّة ، فهي لتوسعتها في ذاتها أحبّ وإليها أرغب .
وهذا ما وعدناك به من بيان وجه الملائمة والمنافرة .
نعم ، حيث إنّ النفس - بحسب فطرتها - قاصرة ، قد تحسب ما هو مضرٌّ لها
هامش
( 1 ) لاحظ العين للفراهيدي 8 : 232 .