قوّة الإبصار التي أودعتها الحكمة في تلك الجارحة ؛ لتقدر على تجريد صور الجسمانيات كي تتّحد مع النفس ، فإنّ تلك القوّة شأن من شؤونها ، بل كالناحية والطرف منها ، ولكن طرفها الأدنى هو ما اتّصل بالأجسام وامتزج بالمادّة ، كما أنّ طرفها الأعلى هو ما اتّصل بالمجرّدات الخالصة من شوائبها .
وتلك المرتبة من النفس هي التي نسمّيها : بالعقل .
وظنّي أنّ ما نروم توضيحه من أنّ الإدراك للأشياء في القوى المدركة عبارة عن الحضور ، وأنّ الحضور ثمّة لا يعقل إلّابنحوٍ من الاتّحاد بل الوحدة وسعة الوجود ، وأنّ ذلك لا يحصل إلّامع المناسبة والسنخية ؛ إذ بالضرورة والوجدان يستحيل أن يتّحد المتباينان من حيث هما كذلك .
كلّ هذه الأُمور واضحةٌ لمن تدبّر وتدرّب في فكرته وفتح اللَّه بصر عقله وعين بصيرته .
وإن طلبت في إيضاحه مزيداً وأردت مثالًا يقرّب عليك منه أمداً بعيداً فقس الحال على وجدانك الذي هو فوق سمعك في الإدراك وعيانك ، فإنّك تجد في نفسك عند العطش والظمأ نقصاً وانقباضاً وضيقاً وألماً . وكلّ ذلك راجع إلى أمر واحد ، وهو الإعواز والفقدان والنقص والحرمان .
ولا يرفع ذلك تصوّرها لمعنى الماء وأنّه رافع للعطش موجب للرواء ، ولا حضور الماء البارد بين يديك ومشاهدته بعينيك .
نعم ، إذا باشرته بأعضائك ، أو أجريته في أمعائك ، وأحسّت به نفسك بواسطة تلك الأدوات التي هي أيضاً من قواها ومنها وإليها قوّتها ومجراها ، حصلت لك - بتوسّط هذه الآلات - تلك الملابسة ووقع للنفس مع الماء ذلك الاتّحاد والمؤانسة .
الدين والإسلام أو الدعوة الإسلامية — صفحة 348
مساهمون: الشيخ محمد حسين كاشف الغطاء
ص٣٤٨