اللحوق « 1 » وحضور المُدرَك عند المُدرِك . وهو يختلف باختلاف طرفي هذه النسبة المتقوّمة بهما المنتزعة منهما . .
ففي إدراك زيد لعمر مثلًا في الطريق إذا لحق به ظاهر ، وأمّا في إدراك القوى النفسانية الظاهرية والباطنية لمدركاتها المحسوسة والمعقولة الصورية والمعنوية فإنّما هو بضرب من الاتّحاد ونحوٍ من الإحاطة والسعة .
فالنفس - بتوسّط هذه الحواسّ التي هي كالآلات الموصلة لها كمالها بل هي كالجنود والأعوان للنفس في ذبّ الأذى عنها وجلب الخير لها - تتّحد مع مدركاتها التي أوصلتها الحواسّ إليها بالنحو اللائق بها من الاتّحاد .
والاتّحاد كلّية على نحو الحقيقة والوحدة لا التركيب والانضمام لا يتحقّق بين المادّيين أصلًا ؛ فإنّ المادّة مثار الكثرة والمغايرة .
ولقد أحسنوا فيما قالوا من : أنّ المادّي غائب عن نفسه ؛ فضلًا عن غيره « 2 » ؛ نظراً إلى أنّ المادّي لا يُدرِك شيئاً من حيث المادّة ، فهو غائب حتّى عن نفسه ؛ إذ حيث لا إدراك فلا حضور .
وبالجملة : فالمادّي لابدّ أن يصير من سنخ مُدرِكه حتّى يُدرَك ويتّحد معه .
ألا ترى العناية الأزلية كيف جعلت آلة الإدراك التي هي الواسطة بين النفس ومدركاتها المادّية ذات جهتين : فمن جهةٍ تناسب المدرِك ، وهي الجارحة كالعين مثلًا ؛ لتنطبع فيها بالانعكاس أو الارتسام صور الأجسام وتتّحد معها بهذا النحو من الاتّحاد ، ومن جهةٍ أُخرى تناسب المدرَك في التجرّد ، وهي
هامش
( 1 ) لاحظ لسان العرب 4 : 334 .
( 2 ) قارن : المباحثات 351 ، الذخيرة 214 .