النفس ؛ فإنّها به تستعدّ لتحصيل الكمالات وتتهيّأ لنيل السعادات .
وإلّا فما دامت تتّبع الهوى والشهوات وتسعى جهدها لنيل اللذائذ الداثرات ، من : التأنّق في الملابس والتفوّق في المجالس ، والتبصبص كلبيّاً للأطماع والتلصّص ثعلبيّاً في الخداع ، والتنعّم في الشراب والطعام واحتكاك الأجسام بالأجسام ، إلى غير ذلك من الشهوات البهيمية والرذائل السبعية التي مهما نال الإنسان فيها من وافر الحظّ والنصيب فلا يبلغ منها مقدار شهوة حمار أو كلب أو ذيب ! ومهما كان الإنسان على مثل ذلك أحرص وهو إليه أرغب فهو بالبهيمة أشبه وإليها أقرب !
أترى أنّ أحداً من الناس يُدرِك بنفسه ما للسبع من القوّة والقدرة على الافتراس ، وأنّ الإنسان وإن بلغ الغاية في الشبق وحبّ الجماع ينال من الشهوة واللذّة ما يناله أقلّ الحمير عند الوقاع ! ولولا استقذار ذكرها لشرحت في التفاوت حقيقة أمرها .
والغرض أنّ النفس إذا تُركت وهواها وأُرسلت في طلب ما يلائم قواها فلا ترتج أبداً فلاحها ولا ترتقب صحّتها وصلاحها ، ولا تنكسر منها سورة تلك القوى إلّابالرياضة على مخالفة الهوى .
ومثلها في ذلك مثل الحرث لأرض الزراعة ، فإنّها وإن كانت - بحسب ذاتها - عذبة طيّبة التربة ، ولكنّها لا تنال تلك السهولة والدماثة إلّاإذا خولف وضعها بالحراثة ، وبعد الحرث والقلب تصلح للزرع ونثر الحبّ ، فتُسيم النظر وتسمو وتمنّ بالثمر وتنمو .
وأرض النفس إذا لم يحرثها العقل بمخالفة الهوى ولم يوجّه سائس العدل ليعدّل منها تلك القوى ، لا تثمر ولا تنمو بها بذور الحكمة ، ولا تنتفع بما ينزل من
الدين والإسلام أو الدعوة الإسلامية — صفحة 328
مساهمون: الشيخ محمد حسين كاشف الغطاء
ص٣٢٨