باهرة وقوّة قاهرة ونعمة زاهرة .
أحيانا اللَّه في ذلك العيش الأنيق ، أو حيّانا بلطفه بغتةً ، فأشهدنا ذلك الغصن الرشيق ، أو أبقانا بمنّه إلى ظهور ذلك العصر الوريق ، فإنّي أصفه وأحمده ولا أعرف من يعرفه أو يجده ، وأذكر سجاياه ولا أنظره ولا أراه ، وأسمع بتذكاره وتتلو الصحف عليّ جميل أخباره ولا أرى في أُفقي شيئاً من آثاره .
لا ، واعتدال مذهبك وعدل آبائك وما سبكه الإسلام في شرائعه المقدّسة من أحسن السبائك ، إنّ العدل إذا استمرّ هجره أزماناً وسُدّ باب العمل به عمىً وطغياناً ، استحالت الطباع لا محالة ظلماً وعدواناً ، وعادوا أعداءً وقد جعلهم اللَّه بفضله إخواناً ، وصار المتغلّبون سباعاً ضارية ، والمتأمّرون ذئاباً عادية ، وضعفاء الرعيّة كأنضاء « 1 » الإبل الأنقاض أو كقطيع الماشية ، حتّى راح كلّ واحد وهمّته من عجزه وتراخيه هضم حقوق أخيه ، وسلب نعم اللَّه عليه وأياديه ، والسعي في أن يهلكه ويرديه !
فلو تجسّمت لك أعمالهم لما رأيت إلّانهشاً وعضّاً ، ولو كشف لك عن قلوبهم لما وجدت - بعد ظلمة الجهل - إلّاحقداً وبغضاً ، ولو بلوت أحوالهم لما بلوت إلّاأخلاقاً سبعية أو بهائم وحشية يفترس بعضها بعضاً !
فالصورة صورة إنسان ، والقلب قلب حيوان !
لا ، وأنّى لك منهم بطباع الحيوانات ، بل ليتهم كانوا كالوحوش الضاريات ! فإنّك لا تجد فيها من لا تأخذه على أبناء نوعه الغيرة والحمية ، ولا تعدّ بها إلّا القليل ممّن لا تعطفه على أبناء جنسه عواطف الجنسية وروابط السنخية .
هامش
( 1 ) النَضو : البعير المهزول . ( صحاح اللغة 6 : 2511 ) .