منه منزلة والمحيط به خبراً والمطّلع عليه علانية وسرّاً .
[ مراتب الولايات وتدرّجاتها ]
ثمّ إذا فاتت على الخلق هذه النعمة وسُدّ دونهم باب هذه الرحمة - لأسباب يطول بل يعسر بيانها ويرجح بل يلزم في مذهبي كتمانها - وجب أن يتولّى على الرعية الأقرب فالأقرب إليه عدلًا والأشبه فالأشبه به سيرة قولًا وفعلًا .
وكلّما امتدّ باع الولاية والإمارة واتّسع نطاق السلطة والإدارة اشتدّت الحاجة إلى العدل ومعرفة الحقوق .
فأوّل ولاية للإنسان ولايته على نفسه بحسب حاله أوّل بلوغه وبدوّ كماله وصلاحيته لانفراده واستقلاله .
وهو محتاج إلى العدل بذلك المقدار والسير فيها بسيرة العقل والاعتبار طلباً لإصلاح معاده ومعاشه وتحصيل ما يقوده إلى ثروته ورياشه وما ينتظم به حاله ويتّسع به كماله ، وإلّا عاش في عيش وبي وعاد في حال ردي ، وكان إبرامه نقضاً وأحواله فوضىً .
ثمّ بعد الولاية على نفسه ولايته على أولاده وأهله وعرسه ممّن جعلهم اللَّه تحت ولايته واستودعهم في كنف رعايته ، حتّى الحيوانات الصامتة والأشجار والزروع النابتة ، بل العقار وسائر الأموال الثابتة وغير الثابتة .
فإنّ لجميعها حدوداً قائمة وحقوقاً لازمة .
واللَّه ( سبحانه ) بكلّ ذلك محاسبه وسائله عنها ومطالبه ، حتّى يضع كلّ شيء منها في محلّه ، ويعامله بعدله ، ويُعمله بوظيفته ، ويقوم بحقّه وما يلزم من مؤنته .